الصفحة 17 من 39

ج- مُوافَقَةُ(اللامِ)لِـ(عَنْ)في العِبارَةِ القَوْلِيَّة، أَوْ:(قالَ لِـ = قالَ عَنْ):

إِنَّ النَّظْرَةَ العَجْلى إلى قولِهِ -تَقَدَّسَتْ أَسْماؤُهُ-: { ... حَتّى إذا ادّارَكوا فيها جميعًا قالَتْ أُخراهُم لأولاهُمْ [1] ... } ، قد تُفضي إلى القولِ بِأَنَّ (أولاهُم) مَنْقولٌ إِلَيْهِ أَيْ مَقولٌ لَهُ. وهذا غيرُ صَحيحٍ باسْتِكْمالِ القراءَةِ، لأَنَّ المَقولَ لَهُ مُفصَحٌ عَنْهُ تالِيًا عَبْرَ أسلوبِ النِّداء (رَبَّنا) ، الذي بِهِ يُسْتَفْتَحُ مَقولُ القولِ: { ... حَتّى إذا ادّارَكوا فيها جميعًا قالَتْ أُخراهُم لأولاهُمْ: رَبَّنا ... } . ثُمَّ إذا أَكْمَلْنا قراءَةَ المَقول، اسْتَيْقَنّا أَنَّ (أولاهُم) ليسَ إلا مَقولًا عَنْهُ أو مُتَحَدَّثًا عَنْهُ: { ... حَتّى إذا ادّارَكوا فيها جميعًا قالَتْ أُخراهُم لأولاهُمْ: رَبَّنا، هؤلاءِ أَضَلّونا فآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ ... } [2] ، والقاضي بذلك حديثُ أخراهُم عن أولاهُم بصيغةِ الغيبة: {هؤلاء أَضَلّونا فَآتِهِم} .

ومِن ثَمَّ يَتَوَضَّحُ أَنَّ اللامَ في (لأولاهُم) بمعنى (عن) ، أي: قالت أخراهُم عن أولاهم أو في حقِّهِم وشأنِهِم. والمُفَسِّرونَ على التمسُّكِ بِأَنَّها لامُ أَجْلَ، قالَ الرازي:"اللام في قولِهِ: (لأُخْراهُمْ) [3] لامُ أَجْلَ، والمَعْنى: لأَجْلِهِمْ ولإِضْلالِهِم إِيّاهُمْ. (قالوا رَبَّنا هؤلاءِ أَضَلّونا) وليسَ المُرادُ أَنَّهُم ذَكَروا هذا القولَ لأولاهُمْ، لأَنَّهُمْ ما خاطَبوا أولاهُمْ، وإِنَّما خاطَبوا اللهَ -تَعالى- بِهذا الكَلامِ" [4] .

وقد تَبْدو الآيةُ التي تَتْبَعُ هذه الآيةَ أَنَّها مَعَها على وِفاق، إلا أَنَّ الحَقيقةَ أَنَّهُما مَِن ناحِيَةِ طبيعةِ اللامِ ومَدخولِها على أَتَمِّ الافتِراق. إِذْ تَعودُ الآيةُ الثانِيَةُ التالِيَةُ إِلى بنيةِ القولِ المُعْتاد، التي تَسْتَعْلي اللامُ فيها لامًا للتبليغ، ويَظْهَرُ مَدْخولُها بِوَصفِهِ مَقولًا لَهُ هذِهِ المَرَّة، وذلِكَ بسببٍ مِن طبيعةِ الضمائِرِ التي يَحْويها مَقولُ القَوْلِ. الحظ: { ... حَتّى إذا ادّارَكوا فيها جميعًا قالَتْ أُخراهُم لأولاهُمْ: رَبَّنا، هؤلاءِ أَضَلّونا فآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ قالَ: لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمونَ. وَقالَتْ أولاهُمْ لأُخْراهُمْ: فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِن فَضْلٍ فَذوقوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبون} [5] .

ويَتَقَدَّرُ لي أنَّ الطائفةَ الأخيرةَ لَمّا كانَت قد بَدَأَت الموقِفَ بالابتِدارِ إلى اتِّهامِ الطائفةِ الأولى بَأَنَّها المُتَسَبِّبَةُ في إضلالِهِم، مُتَوَجِّهَةً بِالقَوْلِ الأَصْلِيِّ إلى المَولى -تَنَزَّهَت أسماؤُهُ-، انْدَفَعَت الأولى -المُتَّهَمَةُ بالإضلال- إلى مُحاجَجَةِ الطائفةِ الأخيرةِ -المُتَّهِمَةِ إِيّاها بِالإِضلالِ- بِتَوجيهِ الكلامِ لَها، لدحضِ تَمَيُّزِها عنها، وإثباتِ المشاركةِ في العذاب. وعلى أَيِّ حال، فقد تَرَكَّبَ مَقولُ القَوْلِ في كلتا الآيتينِ على نَحْوٍ تَظَلُّ مَعَهُ وِجهةُ الكلامِ وِجهةً مَحْكِيَّةً، كما لا يَخْفى.

وكثيرًا ما يُخَيَّلُ إِليَّ أَنَّ القرآنَ العظيمَ لا يُوَظِّفُ (قالَ لِ) قاصِدًا (قالَ عن) ، إِلا حينَما يَكونُ مَدخولُ اللامِ -الذي هو المَقول عنهُ- حاضِرًا الموقفَ الاتِّصاليَّ الذي بُثَّ فيهِ القولُ عَنهُ، وَأَحْسَبُ أَنَّها خصيصَةٌ تُمَيِّزُ لُغَةَ الذِّكْرِ الحَكيمِ عَمّا سِواها.

(1) {قالت أخراهُم لأولاهم} ، فيه ثلاثة أقوال:"أحدها: آخر أمَّة لأوَّل أمَّة، قاله ابن عباس. والثّاني: آخر أهل الزَّمان لأوَّليهم الذين شرعوا لهم ذلك الدّين، قاله السّديّ. والثّالث: آخرهم دخولا إلى النّار، وهم الأتباع، لأوَّلهم دخولًا، وهم القادة، قاله مقاتل" (ابن الجوزيّ، أبو الفرج جمال الدّين عبد الرَّحمن بن عليّ(ت 597 هـ) ، زاد المسير في علم التَّفسير، ط 3، المكتب الإسلاميّ، بيروت - دمشق، 1404 هـ - 1984 م، ج 3، ص 195.

(2) الأعراف 7: 38.

(3) الصَّواب: (لأولاهم) .

(4) الرّازيّ، التَّفسير الكبير أو مفاتيح الغيب، ج 14، ص 61.

(5) الأعراف 7: 38 - 39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت