الصفحة 35 من 39

قلوبهِمْ فأنزَلَ السكينة عليهم وأثابَهُمْ فتحًا قريبًا. ومغانمَ كثيرة يأخذونَها وكانَ اللهُ عزيزًا حكيما. وَعَدَكُم اللهُ مَغانِمَ كثيرة تأخذونَها فَعَجَّلَ لكم هذه وكفَّ أيديَ النّاس عنكم ... [1] . فإذا كانَ هذا الوعدُ هو المقصود، فإنَّ هذا مُقتضٍ أن تكونَ الآية (15) مِن سورةِ الفتح متأخرة النزول عن الآياتِ الأخرى المذكورة تاليًا (18 - 20) . أو أنْ يُقالَ: إنَّ الآية: {سيقولُ المُخلَّفونَ إذا انطلقتم إلى مَغانِمَ لتأخذوها ذرونا نَتّبِعْكُمْ يُريدونَ أنْ يُبَدِّلوا كلامَ اللهِ قل لن تتّبعونا كذلكم قالَ اللهُ مِنْ قبلُ} لم تكن، بطبيعةِ الحال، قد نَزَلَت آنَ تخلُّفِ المتخلِّفين، بل هو استباقٌ للحدث وإخبار بما هو واقِعٌ لا محالة مُستقبَلًا. وكذلك الوعد بتحصيل الغنائم، هو الآخر مستقبليّ. ولكن ساعة وقوع الأحداث وقوعًا فعليًّا على أرض الواقع، فإنَّ الانطلاقَ إلى المعركة يسبق تجميع الغنائم. ولعلَّ لهذا أخبَرَ اللهُ أولًا برغبةِ المتخلِّفين في الانطلاق، ثمَّ ثنّى بوعدهم بالغنائم، وهو -إذن- ترتيب يُحاكي الأمورَ كما هي جاريةٌ في عالم الوقائع الممكنة.

وإذا صَحَّ هذا فإنَّ قولَ المؤمنين السابقَ:"قل لن تتّبعونا"سيقع على أرض الواقع وهم يعلمون مِن أمر الآيات كلّها، إذ سيقول المؤمنون قولهم ذلك وهم مطّلعون على آيات الوعد بغنائم خيبر. ومِن ثَمَّ يغدو قولُهُم قولًا غيرَ مَحْكِيٍّ لذلك الوعدِ، فقد فهِموا مِن ذلك الوعدِ أنَّهُ مُوَجَّهٌ لأهل الحديبية حسبُ، وليسَ لغيرهم. فما كانَ مِنهُم إلا أنْ أسَّسوا على هذا الفهمِ فهمًا آخرَ مُؤدّاهُ أنَّ المتخلِّفين عن الحديبية ينبغي أن لا يتبعوهم في مكة أو خيبر، لأنَّهم إنْ سَمَحوا لهم بمرافقتِهم بعد ذلك فلن يكونَ أحدٌ قادِرًا على منعِهِم مِن الوصول إلى الغنائم. وَمِنْ أجلِ ذلك، وتنفيذًا لما وَعَدَهم اللهُ فإنَّهُم قالوا: {لن تتبعونا كذلكم قالَ اللهُ مِنْ قبلُ} .

3 -قالَ مولانا -تبارَكَ-: {ولقد سَبَقَتْ كلمتُنا لعبادِنا المُرسَلين. إنَّهُم لَهُمُ المَنْصورونَ. وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبونَ} [2] . أرى أنَّ الكلامَ -أو الكلمة [3] - الذي وَجَّهَهُ الحقُّ -سبحانَهُ- إلى عبادِهِ المُرسَلين حَتْمًا سيكونُ بلغةِ الخطابِ، كأَنْ يَكونَ على نحو:"إنَّكُم المَنصورون". ولكنْ مِن البيِّنِ أنَّهُ -تَنَزَّهَ اسمُهُ- قد عَدَلَ مِن الخطابِ إلى الغيبةِ، وهذا يُناسِبُ نقلَ الكلامِ بالطريقةِ غيرِ المباشرة، خاصَّةً أَنَّ مَوْلانا يَنقُلُ لنا هذا الخطابَ دونَ فعلٍ للقول.

ولأَنَّ الكلامَ هنا على غيرِ وجهِهِ الأصليِّ الذي صَدَرَ مِن قائلِهِ -عَزَّ-، فإنَّهُ يَحِقُّ لنا أنْ نُحاوِلَ أنْ نَتلمَّسَ في القرآنِ العظيم ما يُمْكِنُ أَنْ يَكونَ هو الخطاب الأصليّ المُباشِر لـ"إنَّهُم لَهُمُ المَنْصورونَ"، أي"الكلمة"التي وَجَّهَها القَيّومُ لعبادِهِ المُرْسَلين ساعةَ صَدَرَتْ مِنهُ إليهِم. ولأَجْلِ هذا، فإنَّهُ لا يُقنِعُنا القولُ بِأنَّ"الأَوْلى تفسيرُ هذهِ الكلمةِ بِما هُوَ مَذكورٌ هُنا. فإنَّهُ قالَ: {إنَّهُم لَهُمُ المَنْصورونَ. وإنَّ جندَنا لَهُمُ الغالِبون} . فهذهِ هي الكلمةُ المَذكورةُ سابِقًا، وهذا تَفسيرٌ لَها" [4] .

صَحيحٌ جِدًّا أنَّ هذا تفسيرٌ لـ"الكلمة"، بيد أنَّهُ -دونَ رَيْبٍ- ليس النصَّ الأصليَّ الذي خاطَبَ بهِ الحقُّ عبادَهُ المُرْسَلين. وأَظُنُّ أَنَّ الذي حاوَلَ، مِن المُفسِّرين، أنْ يَبحثَ عن"الكلمة"في سياقٍ قرآنيٍّ آخرَ، فَذَهَبَ إلى

(1) الفتح 48: 18 - 20.

(2) الصّافات 37: 171 - 173.

(3) "وإنَّما سَمّاها كلمة وهي كلمات لأنها لما انتظمت في معنى واحد كانت في حكم كلمة مفردة" (النّسفيّ، أبو البركات عبد الله بن أحمد(ت 710 هـ) ، تفسير القرآن الجليل المسمّى بِمَدارِكِ التَّنزيل وَحَقائق التَّأويل، المكتبة الأمويَّة: بيروت - دمشق، مكتبة الغزالي - حماة، ج 4، ص 282).

(4) الشّوكانيّ، محمَّد بن عليّ بن محمَّد (ت 1250 هـ) ، فتح القدير الجامع بينَ فنَّي الرّواية والدّراية مِن علم التَّفسير، تحقيق: عبد الرَّزّاق المهديّ، مراجعة: محمَّد الإسكندرانيّ وأحمد إبراهيم زهوة، ط 1، دار الكتاب العربيّ، بيروت - لبنان، 1420 هـ - 1999 م، ج 4، ص 501.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت