وتفسيرًا لهذا أقولُ: إِنَّ التركيبَ (قالَ عَمْرو إِنَّني) قد يُفضي إلى إشكالٍ حقيقيٍّ إنْ هو أَصابَ مِن اللغةِ مستواها الشفاهيَّ تَحْديدًا. فإذا نَقَلَ"بلالٌ"مقالةً قالَها"هاشمٌ"مَنسوجةً على إيقاعِ (قالَ عَمْرو إِنَّني) أو"قالَ إِنّي عَبْدُ اللهِ"، إلى طَرَفٍ ثالثٍ هو"عدنانُ"، كأنْ تَكونَ:"قالَ هاشم إنَّني سأسافِرُ إلى القاهرة"، فإنَّ هذا المَقولَ المَنقولَ ينطوي على مشكل دلاليٍّ خَطير، يَمْثُلُ في اللبسِ أو الغموضِ الذي قد يُنبِئُ بِهِ التركيبُ. ذلك أنَّ المَنقولَ إليه (عدنان) سوفَ يَتَرَدَّدُ بين فَهمينِ، تَتَمَلَّكُهُ الحيرةُ في إحالةِ ضميرِ المتكلِّمِ المفرد (إنَّني سأسافِرُ) في مقولِ القول: أيَتَّجِهُ بهِ إلى المنقولِ مِنهُ (هاشم) ، أم إلى الناقل (بلال) ؟ هذا بِالضَّبْطِ هو موطنُ الإشكالِ الذي أَظُنُّ أَنَّهُ حَدا باللغةِ إِلى أنْ تَرفعَ هذا التركيبَ مِن الاستعمالِ الشفاهيِّ للغة، ثُمَّ عَمَّمَت الأمرَ وطَرَدَتْهُ لِيَنْسَرِبَ مِن بعدِها إلى اللغةِ المَكتوبة.
ولا شَكَّ أَنَّ بدايةَ التحوُّلِ عن النمطِ (قالَ عَمْرو إِنَّني) ، ومُحاوَلةَ اطِّراحِهِ، قد أَصابَتا -أوَّلَ ما أَصابَتا- المستوى اللغويَّ الشفاهيَّ على نحوٍ خاصٍّ، في مَراحِلَ لغويَّةٍ تاليةٍ، مِنها عربيَّتُنا المُعاصِرَةُ بطبيعةِ الحال، ذلك أَنَّ المُشافَهَةَ هِيَ الأصلُ في الكلامِ وفي نقلِهِ، حكايةً وإخبارًا.
ولقد جَلّى السّيرافيُّ -بِما يَأْتي- السلوكَ الذي يَسْلُكُهُ الفعلُ (قالَ) في تأرجُحِ دلالتِهِ على طريقَتَي نقلِ الكلامِ: النقلِ بالألفاظِ تارةً، والنقلِ بالمعنى دونَ الألفاظ تارةً أخرى. لكنَّ اللافِتَ للنَّظَرِ، وَالباعِثَ عَلى الدَّهْشَةِ كَثيرًا في كَلامِ السّيرافِيِّ، أَنَّهُ يُسَوّي بينَ طَريقَتَيْ نَقْلِ الكَلامِ، وَيُسَمّي كُلًا"حِكايَة"، وَلا فَرْقَ. فَإِنْ أَنْتَ قُلْتَ ناقِلًا مَقالَةً لِعَمْروٍ نَقْلًا حَرْفِيًّا: (قالَ عمروٌ إِنّي مُنطلِقٌ) عُدَّ حِكايَةً، وَإِنْ تَصَرَّفْتَ في الكَلامِ وَغَيَّرْتَهُ عَنْ وجهتِهِ بِقَوْلِكَ: (قالَ عمروٌ هو منطلقٌ) عُدَّ -في فَهْمِ السّيرافِيِّ- حِكايَةً أَيْضًا. وذلك في قولِهِ:"حَقُّ الحِكايةِ أَن تَقولَ: (قالَ عمروٌ إِنّي مُنطلِقٌ) ، وكذلك إذا قلتَ: (قالَ عمروٌ هو منطلقٌ) ". فَلا يَعُدُّ تَغْييرَ الضَّمائِرِ تَغْييرًا لِلْكَلامِ عَنْ مِنْهاجِهِ. قالَ:"فحقُّ الحكايةِ أَنْ يَقولَ: (قالَ عمروٌ أَنا مُنطلِقٌ) ، لأَنَّ هذا لفظُهُ الذي لَفَظَ بِهِ، ولكنَّهُم قد يُغَيِّرونَ لفظَ الغيبةِ إِلى الخِطابِ، ولفظَ الخِطابِ إِلى الغيبةِ، لأَنَّ ذلك أَقربُ إِلى الأَفهامِ، ولا يُعَدُّ ذلك تَغييرًا، لأَنَّ الذي يَقولُ: (إِنَّ زيدًا مُنطلِقٌ) لو واجَهَهُ لَقالَ: (إِنَّكَ مُنْطَلِقٌ) ، ولم يَكُنْ ذلك مُغَيِّرًا للكلامِ عن مِنهاجِهِ" [1] .
وَقَريبٌ مِنْ هذا ما جاءَ لدى"ابنِ السَّرّاجِ". اقْرَأْ قولَهُ:"والحِكايَةُ لا تُغَيِّرُ الكلامَ عَمّا كانَ عليهِ"، تُؤَسِّسْ عليهِ الظنَّ بِأَنَّ الكلامَ المَحْكِيَّ بعدَ (قالَ) إِنَّما هو مِن ألفاظِ المَنقولِ عنهُ لا الناقلِ. ولكنَّ الذي فَجَأَنا وعَجِبنا لَهُ كثيرًا أَنَّ ابنَ السرّاجِ أَوْرَدَ بعدَ كلامِهِ السابِقِ مباشَرَةً مثالًا مَصنوعًا كانَ الكلامُ المَأْتِيُّ فيهِ بعدَ (قالَ) مُغَيَّرًا مُتَصَرَّفًا فيهِ! قالَ:"والحِكايَةُ لا تُغَيِّرُ الكلامَ عَمّا كانَ عليهِ. تَقولُ: (قالَ عمرو: إِنَّ زيدًا خيرٌ مِنك) " [2] . فكانَ آخِرُ كلامِهِ مُناقِضًا أَوَّلَهُ، ذلك أنَّهُ قَرَّرَ أوَّلًا أَنَّ الحِكايةَ لا تُغَيِّرُ الكلامَ، ثمَّ جاءَ بِمِثالٍ الكلامُ فيهِ بعدَ (قالَ) لا يُمَثِّلُ مَنطوقَ عمروٍ الأصليَّ. فعمْروٌ ما قالَ قولَتَهُ فيكَ إِلا عندَما كنتَ غائبًا عن المجلسِ الذي بَثَّ فيهِ قولتَهُ، بدليلِ حِرصي على نقلِ قولتِهِ لك. فَإِذا كُنْتَ أَنْتَ وائِلًا -مَثَلًا-، فلنا أن نُقَدِّرَ كلامَ عمروٍ الأصليَّ فيكَ على النحو: (إِنَّ زَيْدًا خَيْرٌ مِنْ وائِل) أَوْ: (إِنَّ زَيْدًا خَيْرٌ مِنْهُ) .
اِجْتِلابُ (إِنَّ) بَعْدَ فِعْلِ القَوْلِ حِكايَةً وَإِخْبارًا: بَيْنَ الوُجوبِ وَالجَوازِ وَالمَنْع
(1) سيبويه، الكتاب، ج 3، ص 143، الحاشية الأولى.
(2) ابن السرّاج، الأصول في النحو، ج 1، ص 263.