وقال شيخ الإسلام: (وهذا مبني على أصل، وهو أن قوله تعالى: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة:5] هل المراد به من هو بعد نزول القرآن متدين بدين أهل الكتاب؟ أو المراد به من كان آباؤه قد دخلوا في دين أهل الكتاب قبل النسخ والتبديل؟ على قولين للعلماء. فالقول الأول هو قول جمهور المسلمين من السلف والخلف، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحد القولين في مذهب أحمد، بل هو المنصوص عنه صريحا. والثاني: قول الشافعي وطائفة من أصحاب أحمد) .
إلى أن قال: (وأحمد إنما اختلف اجتهاده في بني تغلب، وهم الذين تنازع فيهم الصحابة. فأما سائر اليهود والنصارى من العرب مثل: تنوخ وبهراء وغيرهما من اليهود، فلا أعرف عن أحمد في حل ذبائحهم نزاعا، ولا عن الصحابة ولا عن التابعين وغيرهم من السلف، وإنما كان النزاع بينهم في بني تغلب خاصة) .
ثم قال: (بل الصواب المقطوع به أن كون الرجل كتابيا أو غير كتابي هو حكم مستقل بنفسه، لا بنسبه. وكل من تدين بدين أهل الكتاب فهو منهم، سواء كان أبوه أو جده دخل في دينهم، أو لم يدخل، وسواء كان دخوله قبل النسخ والتبديل، أو بعد ذلك. وهذا مذهب جمهور العلماء كأبي حنيفة ومالك والمنصوص الصريح عن أحمد، وإن كان بين أصحابه في ذلك نزاع معروف. وهذا القول هو الثابت عن الصحابة، ولا أعلم بين الصحابة في ذلك نزاعا، وقد ذكر الطحاوي أن هذا إجماع قديم) .
8 -ومن ذلك: إجماع الصحابة على أن سجود التلاوة غير واجب، مع مخالفة الحنفية فيه. قال ابن قدامة: (وجملة ذلك أن سجود التلاوة سنة مؤكدة وليس بواجب عند إمامنا ومالك والأوزاعي والليث والشافعي وهو مذهب عمر وابنه عبد الله، وأوجبه أبو حنيفة وأصحابه؛ لقول الله عز وجل: فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ [الانشقاق:20 - 21] ، ولا يذم إلا على ترك واجب، ولأنه سجود يفعل في الصلاة فكان واجبا كسجود الصلاة.
ولنا ما روى زيد بن ثابت قال: (( قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم النجم فلم يسجد منا أحد ) ). متفق عليه. ولأنه إجماع الصحابة، وروى البخاري والأثرم عن عمر أنه قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها حتى إذا جاءت السجدة قال: يا أيها الناس إنما نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب ومن لم يسجد فلا إثم عليه. ولم