قال:(فالسلف يقولون: ترك الواجبات الظاهرة، دليل على انتفاء الإيمان الواجب من القلب، لكن قد يكون ذلك بزوال عمل القلب، الذي هو حب الله ورسوله، وخشية الله، ونحو ذلك، لا يستلزم ألا يكون في القلب من التصديق شيء.
وعند هؤلاء كل من نفى الشرع إيمانه دلّ على أنه ليس في قلبه شيء من التصديق أصلا، وهذا سفسطة عند جماهير العقلاء).
قلت: الإيمان الواجب هنا، هو الإيمان الصحيح المجزئ، بدليل قوله: (لكن قد يكون ذلك بزوال عمل القلب ... لا يستلزم ألا يكون في القلب من التصديق شيء) .
وسياق الكلام يفيد بأن شيخ الإسلام يسلم للمخالف بأن إيمان القلب يذهب وينتفي، لكن ليس لذهاب التصديق فقط، بل قد يكون بذهاب عمل القلب، وهذا يدل على أن المراد بانتفاء الإيمان الواجب من القلب: انتفاء الإيمان الصحيح المجزئ، المترتب على (زوال عمل القلب) .
قال: (فإذا قال أحد هؤلاء العالمين الجاحدين الذين ليسوا بمؤمنين: محمد رسول الله، كقول أولئك اليهود وغيرهم، فهذا خبر محض مطابق لعلمهم الذي قال الله فيه: الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة:146] ، لكن كما لا ينفعهم مجرد العلم، لا ينفعهم مجرد الخبر، بل لابد أن يقترن بالعلم في الباطن مقتضاه من العمل الذي هو المحبة والتعظيم والانقياد ونحو ذلك، كما أنه لابد أن يقترن بالخبر الظاهر مقتضاه من الاستسلام والانقياد وأصل الطاعة) .
وهذا كما ترى صريح في اشتراط أربعة أمور، هي أركان الحقيقة المركبة، قول القلب وعمله، وقول اللسان وأصل عمل الجوارح، وسماه هنا: أصل الطاعة، وبين أنه لا ينفع الكافر وجود التصديق مع قول اللسان، ما لم يقترن التصديق بالعمل الباطن، ويقترن قول اللسان بالعمل الظاهر، وفي هذا أبلغ رد على من زعم أن التلازم بين الظاهر والباطن إنما هو في الإيمان المطلق أو الكامل لا في أصل الإيمان.