فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 98

يختلفوا فيه هو أنه لا تنافي بين كون القرآن كله محكمًا دقيقًا وبين كونه كله متشابهًا أي يشبه بعضه بعضًا في هذا الإتقان, والإحكام وبين كونه منقسمًا إلى ما اتضحت دلالته على مراد الله تعالى وما خفيت دلالته.

ومما يظهر لك منزلة هذا الباب في الفهم والتفسير أن تدرك أن آية آل عمران وهي قوله تعالى:"هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ"الآية كانت فارقة بين السلف والخلف في الفهم والتفسير, فقد وقف السلف على قوله تعالى:"وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ", وعدو الواو استئنافيه لمعنى جديد, ورأي الخلف أن الواو العاطفة عطفت الراسخين في العلم على لفظ الجلالة (الله) في العلم بالمتشابه, يقول الإمام الزركشي- رحمه الله- في البرهان: (فمنهم من رجح أنها(أي الواو) للاستئناف وأن الوقف على"إِلاَّ اللهُ"أن الله تعبدهم من كتابه بما لا يعلمون, وهو المتشابه كما تعبدهم من دينه بما لا يعقلون, وهو التعبدات .. , وفهم من رجح أنها للعطف أن الله لم يكلف الخلق بما لا يعلمون, وضعف الأول لأن الله لم ينزل شيئًا من القرآن إلا لينتفع به عباده, ويدل على معنى أراده, فلو كان المتشابه لا يعلمه غير الله لكرر معناه، ولا يسوغ لأحد أن يقول: إن رسول الله ... - صلى الله عليه وسلم - لم يعلم المتشابه, فإذا جاز أن يعرفه الرسول مع قوله:"وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ"جاز أن يعرفه الربانيون من صحابته, والمفسرون من أمته, ألا ترى أن ابن عباس كان يقول: أنا من الراسخين في العلم، ويقول عند قراءة قوله تعالى في أصحاب الكهف"َمَا يَعْلَمهم إلا قليلُ" [1] وأنا من أولئك قليل) [2]

من هنا تظهر قيمة إدراك المحكم والمتشابه لتفسير كتاب الله عز وجل.

(1) الكهف:22.

(2) البرهان: جـ 2 صـ 202، 203, والأثر أخرجه الطبري, عند تفسير الآية الكريمة, والسيوطي في الدر المنثور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت