كليهما, فقد تسمع قارئا يقرأ قوله تعالى:"فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ" [1] , فيقف على (استحياء) ويبدأ بقوله:"على اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ", فيفيدك معنيين: الأول أن مشيها كان على استحياء, والثاني أن كلامها على استحياء, وما ذلك إلا لفهمه للمعنى المبني على طريقة الوقف والابتداء، وتسمع أخر يقرأ قوله تعالى:"يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ" [2] , فيقف على قوله:"لاَ تُشْرِكْ", ثم يبدأ بقوله:"بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ", فيفدك النهي عن الشرك, والقسم بالله: أن الشرك ظلم عظيم, وذلك مفاد من طريقة الوقف والابتداء, وكم في القرآن الكريم من جمل تحمل هذه الوقفات, حتى عده العلماء علمًا من علوم القرآن, لا يكون المرء مؤهلا للفهم إلا به؛ من هنا كثرت عناية السلف بالحديث عن الوقف والابتداء, وصلتهما بالمعني, وأهمية إدراكها, ولم يكن هذا الاهتمام إلا بعد العصور الأولى لأسباب متعددة, منها: أن الوقف والابتداء كان معروفًا لدى الأولين حتى اختلطت الأمور على من بعدهم, فنشط لذلك حكماء أفذاذ, ضبطوا وقوف القرآن وابتداءاته, حسب مقتضيات المعنى, فألف فيه عدد من العلماء, منهم ابن الأنباري, وأبو جعفر النحاس, وأبو عمرو بن العلاء, أحد القراء السبعة, والإمام نافع الليثي, أحد القراء كذلك, والإمام ا بن الجوزي, وغيرهم يقول الطاهر ابن عاشور- رحمه الله-: (لم يشتد اعتناء السلف بتحديد أوقاف القرآن لظهور أمرها, وما ذكر عن ابن النحاس من الاحتجاج لوجوب ضبط أوقاف القرآن بكلام لعبد الله بن عمر ليس واضحًا في القرائن المحتج بها .. , فكان الاعتبار بفواصله التي هي مقاطع آياته عندهم
(1) القصص: من الآية: 25.
(2) لقمان: من الآية: 13.