فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 98

وتلك النظرة, وأنزل لها الخطاب الوافي الكامل, الذي يتناسب مع تلك العادات, واقرأ- إن شئت - مثلًا قوله- تعالي-: وهو يتحدث عن علاقة الأب بولده إن كان أنثي:"وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ ساءَ مَا يَحْكُمُونَ" [1] , والآية تصور بوضوح وجلاء علاقة العربي بابنته, وترصد تلك الخلفية الاجتماعية التي كان يحياها الإنسان العربي في هذا الزمان، واقرأ -إن شئت كذلك قوله تعالى:"وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * أَوَ مَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ" [2] ,والآية الكريمة تصور كذلك طبيعة هذا العربي الذي يجعل لله- تعالى- ما يأباه هو لنفسه, ويجعل له الإناث, في الوقت الذي يأبى أن يرضاهن لنفسه, وإذا بشر بهن اسود وجهه, بل ظل مسودًا وهو كظيم، ومن العادات التي رصدها القرآن الكريم في حياة العرب كذلك دخولهم من خلف الدار في الأشهر الحرم, والتي صورها القرآن الكريم بقوله:"يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" [3] , فكيف يتسنى لمفسر أن يفهم هذه الآية دون أن يفهم عادات العرب في ذلك, فقد ذكر أهل التفسير أن العرب (كانوا إذا أحرموا الحج أو العمرة من بلادهم جعلوا من أحكام الإحرام ألا يدخل المحرم بيته من بابه ولا يدخل تحت سقف يحول بينه وبين السماء, وكان المحرمون إذا أرادوا أخذ شيء من بيوتهم تسنموا على ظهور البيوت, واتخذوا نقبًا في ظهور البيوت إن كانوا من أهل المدر وإن كانوا من أهل الخيام دخلوا خلف الخيمة) [4] ,

(1) النحل: 58، 59.

(2) الزخرف: 17، 18.

(3) البقرة: 189.

(4) التحرير والتنوير: 1/ 197 , وانظر لباب النقول:86, 87.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت