فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 98

والوقوف عند ترنيم الصوت وحده والعكوف على بهائه وروائه دون النظر في مرامي الآيات الكريمة من عقبات الفهم, وحجاب بين الإنسان وإدراك رؤية القرآن الكريم للأشياء، وإن آفة الأمة المسلمة- ونحن من أفرادها- أنها شغلت حينًا من الدهر- وما تزال تشغل- بجمال الصوت, وحسن الأداء, على حساب الفهم السليم, والإدراك القويم, وما تراه في واقع الناس, كلهم أو بعضهم, من وقوفهم عند حد الحروف والمطالع, والوقوف والفواصل, لعلامة مرض سرى ويسرى في الأوصال، لقد كان الصحابة وسلفنا الصالح يقف الفرد منهم عند الحدود و الحروف وقد يردد الآية مرارًا, ويعيدها تكرارا, حتى تعمل في النفس عملها, وتؤدي دورها, كما تؤدي الأدوية الفاعلة في الأمراض المتوطنة- عملها, اجتثاثا وإزالة وهدمًا وبناءا, فتغيرت أحوالهم, وتبدلت أعرافهم على مراد القرآن الكريم, يؤكد ابن قدامة - رحمه الله - تجنب الإنسان لهذا المانع من موانع الفهم, وتلك العقبة التي تقف دون الوصول إلى مراد الله- تعالى- فيقول: (وليتخل التالي عن موانع الفهم, مثل أن يخيل إليه أنه ما حقق تلاوة الحرف, ولا أخرجه من خرجه, فيصرف همته عن فهم المعنى) [1] , وما تراه من واقع المسلمين, من الحرص على إقامة الحروف وعدم الوقوف على المعاني, ليس إلا صارفًا من صوارف الفهم, ومانعًا من موانع التدبر الحقيق, والإدراك العميق لمرامي القرآن الكريم. قد تسمع قارئًا يقرأ آيات العذاب والعقاب, وترى من يتمايل حوله طربًا, ولو فهم هذا السامع المعنى المقصود لبكى أو لتباكى, بدل أن يذهب مع حلاوة الصوت على حساب طلاوة المعنى,, ولاشك أن القراءة الصحيحة القويمة طريق إلى الفهم الصحيح, وباب من أبوابه, وقد حث النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه قولًا وعملًا على تجويد أصواتهم بالقرآن, فيسمع من أبي موسى قراءته ويقول: (لو رأيتني وأنا أسمع قراءتك آنفا فيقول - رضي الله عنه - وأرضاه: لو أني أعلم يا رسول الله لحبرته لك

(1) مختصر مناهج القاصدين, صـ 67، 68.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت