فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 98

المجردة, والوقوف عند تحصيل أجر الأداء, ناسين أو جاهلين أن دور القرآن الكريم في الحياة ليس تحصيل الثواب للآخرة فحسب, بل أيضًا لإعمار الكون وإحياء الحياة على اسم الله- تعالي-, وعلى ضوء من منهاجه وتشريعه, وهذا الفهم المغلوط, أو النظر القاصر باب من أبواب تلبيس الشيطان على الإنسان, حتى قال ابن هبيرة -رحمه الله- ومن مكايد الشيطان تنفيره عباد الله من تدبر القرآن؛ لعلمه أن الهدى واقع عند التدبر, فيقول: هذه مخاطرة حتى يقول الإنسان أنا لا أتكلم في القرآن تورعًا» [1]

وقد عد ابن القيم هذا التلبيس لونًا من ألوان الحرج, يخشى منه, فقال: (ومن قال إن له- أي القرآن- تأولًا لا نفهمه ولا نعلمه, وإنما نتلوه متعبدين بألفاظه, ففي قلبه منه حرج) [2] ؛ ذلك لأن الهدف الأسمى من القرآن الكريم ليس فقط مجرد النظر في حروفه وصفاته, بل إقامة حدوده وتصوراته, حتى يعمر الإنسان الأرض على منهاج هذا الكتاب الكريم, الذي هو وسيلة الأحياء في الحياة, وليس فقط ذخر الأموات بعد الحياة, ومن أروع ما يذكر في ذلك كلام فقيه المقاصد- الإمام الشاطبي- رحمه الله- عندما يوازن بين كونه معجزا, وكونه مفهومًا معلومًا, إذ يقول- رحمه الله-: (فمن حيث كان القرآن معجزا أفحم الفصحاء , وأعجز البلغاء أن يأتوا بمثله, فذلك لا يخرجه عن كونه عربيًا جاريًا على أساليب كلام العرب, ميسرًا للفهم فيه عن الله مما أمر به ونهي, لكن بشرط الدربة في اللسان العربي, إذ لو خرج بالإعجاز عن إدراك العقول لمعانيه لكان خطابهم به من تكليف ما لا يطاق, وذلك مرفوع عن الأمة, وهذا من جملة الوجوه الإعجازية إذ من العجب إيراد كلام من جنس كلام البشر في اللسان والمعاني والأساليب, مفهوم معقول, ثم لا يقدر

(1) وانظر تدبر القرآن: صـ 52,نقلا عن ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب: 3/ 273.

(2) التبيان في أقسام القرآن: صـ 144.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت