هَؤُلاَءِ شَهِيدًا" [1] , رأيت عينيه تذرفان بالدمع, فقال لي: حسبك الآن) [2] , وهذا لأن مشاهدة تلك الحالة استغرقت قلبه بالكلية, ولقد كان في الخائفين من له أحوال في سماع الآيات فمثل هذه الأحوال تخرجه عن أن يكون حاكيًا في كلامه, فإذا قال"إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ" [3] , ولم يكن خائفًا كان حاكيًا, وإذا قال:"عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ" [4] , ولم يكن حال التوكل والإنابة, كان حاكيا, وإذا قال"وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا" [5] , فليكن حاله الصبر أو العزيمة عليه, حتى يجد حلاوة التلاوة؛ فإن لم يكن بهذه الصفات, ولم يتردد قلبه بين هذه الحالات كان حظه من التلاوة حركة اللسان [6] ,وضرب الإمام مثلًا لمن يقرأ القرآن ولا يعايشه بقلبه, ولا يحياه بحسه وروحه, بالذي يقرأ كتاب مليكه, الذي يأمره بإعمار مملكته, وهو ممعن في تخريبها, ومدمن لقراءة الكتاب, وكأن الإمام بذلك يعاين أحوال عموم المسلمين, إلا من رحمه الله, فيقول: (ومثال العاصي إذا قرأ القرآن وكرره ,مثال من يكرر كتاب الملك في كل يوم مرات, وقد كتب إليه في إعمار مملكته, وهو مشغول في تخريبها, ومقتصر على دراسة كتابه, فلعله لو ترك الدراسة عند المخالفة لكان أبعد عن الاستهزاء, واستحقاق المقت, وصور معايشة الجيل الأول وعنايتهم بهذه المخالطة بينهم وبين القرآن الكريم بقوله: (لقد كان شغل الصحابة(- رضي الله عنهم -) في الأحوال والأعمال, فمات رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) عن عشرين ألفًا من الصحابة, لم يحفظ القرآن منهم إلا ستة, اختلف في اثنين"
(1) النساء: 41.
(2) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه, ج 4 صـ,192 من حديث عبد الله بن مسعود ,ط: دار ابن كثير ,بيروت, لبنان, ط الثانية, ت/ مصطفى البغا.
(3) يونس: 15.
(4) الممتحنة: 4.
(5) إبراهيم: 12.
(6) الإحياء: 1/ 400، 401.