فإذا أنهيت دراسة مختصر تفسير ابن كثير فعُد مرة أخرى إلى تفسير ابن جُزَي مع الكتب الرديفة له.
ولا أقول بأفضلية تفسير ابن جُزَي على تفسير ابن كثير، ولكن لكل تفسير مزية، فابن كثير يهتم بتفسير القرآن بالقرآن، ويهتم بجمع الروايات، وأما ابن جُزَي فيهتم بجمع الأقوال وبالمعنى التحليلي للنص القرآني أكثر من اهتمام ابن كثير بهذا الجانب.
وتأمّل معي المقارنة بين التفسيرين في مثال اخترته مما فيه خلاف في تفسيره، قال تعالى (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا(1) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (2) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (3) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (4) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (5) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (6 ) ) (المرسلات)
قال ابن كثير:"قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ سَهْلٍ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقَدٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هريرة وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا قال: الملائكة، وَرُوِيَ عَنْ مَسْرُوقٍ وَأَبِي الضُّحَى وَمُجَاهِدٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ وَالسُّدِّيُّ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ مِثْلُ ذَلِكَ."
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ أَنَّهُ قَالَ: هِيَ الرُّسُلُ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَنَّهَا الْمَلَائِكَةُ، وهكذا قال أبو صالح في العاصفات والناشرات والفارقات والملقيات أَنَّهَا الْمَلَائِكَةُ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ عَنْ أَبِي الْعُبَيْدَيْنِ قال: سألت ابن مسعود عن المرسلات عُرْفًا قَالَ: الرِّيحُ.
وَكَذَا قَالَ فِي (فَالْعاصِفاتِ عَصْفًا وَالنَّاشِراتِ نَشْرًا) : إِنَّهَا الرِّيحُ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَأَبُو صَالِحٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ.