المؤلفة منها مادة الكون كلّه وهي مشتركة يعرض لها التحليل والتركيب فتدخل طائفة منها في عدّة أبدانٍ على التعاقب. فمن الإنسان والحيوان ما تأكله الحيتان أو الوحوش ومنها ما يحرق فيذهب بعضه في الهواء فيتصل كلّ بخاري أو غازي منه بجنسه كبخار الماء وعنصريه والكربون. وينحلّ ما يُدفن في الأرض فيها ثمّ يتغذّى النبات الذي يأكله الناس بعناصر الإنسان المحلولة في الأرض. وقد تأكل الأنعام من هذا النبات الذي تتغذّى منه أجساد العباد ثمّ يأكل الإنسان من الأنعام. فلا يخلص لشخصٍ معيّن جسد خاص به. بل ثبت أنّ الأجساد الحية تنحلّ وتندثر بالتدريج وقلّما انحلّ بعضها بالتبخّر. وتموت بعض الخلايا فيحلّ محلّها غيرها بسبب الغذاء بحسب سنن الذي أحسن كلّ شيءٍ خلقه. فلا تمرّ بضع سنين على جسدٍ إلاّ ويتم اندثاره وتجدّده. فكيف يمكن أن يقال أنّ كلّ إنسانٍ وحيوانٍ يُحشر بجسده الذي كان في الدنيا؟
وأجاب بعض العلماء عن هذا بأنّ للجسد اجزاء أصلية وأخرى فضلية. الذي يُعاد بعينه هو الأصلي دون الفضلي. وجعل بعضهم الأصلي عبارة عن ذرّاتٍ صغيرة كعجب الذنب الذي ورد أنّه كحبة خردل بل جوّز أن تكون هي التي ورد أنّ الله تعالى أودعها في صلب آدم أبي البشر بصورة الذّرّ كما روى في تفسير قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) (الأعراف:172) [1] ويقول رشيد رضا:"وقد بينّا في غير هذا الموضع"
(1) السيد رشيد رضا: تفسير المنار، دار المعرفة، بيروت، الجزء 8 ص 472.