الصفحة 36 من 90

أنّ التزام القول بوجوب حشر الأجساد التي كانت لكلّ حيٍّ بأعيانها لأجل وقوع الجزاء عليها غير لازمٍ لتحقيق العدل. فجميع قضاة العالم في هذا العصر يعتقدون أنّ أبدان البشر تتجدّد في سنين قليلة ولا يوجد أحد منهم ولا من غيرهم من العقلاء يقول إنّ العقاب يسقط عن الجاني بانحلال أجزاء بدنه التي زاول بها الجناية وتبدل غيرها بها. فما لم يكن عندنا نصّ صريح من القرآن أو الحديث المتواتر على بعث الأجساد بأعيانها فما نحن بملزمين قبول الإيراد وتكلّف دفعه، فإنّ حقيقة الإنسان لا تتغيّر بهذا التبدّل فقد تبدّلت أجسادنا مرارًا ولم تتبدّل بها حقيقتنا ولا مداركنا، ولا تأثير الأعمال التي زاولناها قبل التبدّل في أنفسنا بل لم يكن هذا التبدّل إلاّ كتبدّل الثياب كما بينّاه من قبل ..." [1] ."

لقد قُدّمت أبحاث كثيرة عن حقيقة الإنسان المكوّنة من النفس والبدن وتكلّموا عن البدن ما هو وعن النفس ما هي ولا سيما أبحاث علم النفس. وتصبح دراسة الإنسان مشتركة بين علم النفس وعلم الحياة في الغالب. والحديث بهذه المثابة عن الإنسان قديم تناولته كلّ الحضارات القديمة من اليونانية إلى الإسلام. وكلّ ذلك يرجّح الظنّ أنّ النفس مستقلة بذاتها ولا تعلّق حقيقي لها بالبدن إلاّ مؤقتًا. وإذا كان كذلك وجب ألاّ تموت بموت البدن إطلاقًا. ولقد تكلّم الفخر الرازي في هذه المسألة كلامًا وافيًا وتبعه نظام الدين النسيابوري في تفسيره ناقلًا عن الرازي الشيء الكثير.

(1) المصدر السابق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت