الصفحة 37 من 90

ويذكر أنّ الإنسان ليس عبارة عن مجموع هذه البنية حيث أنّ أجزاء هذه البنية في الذوبان والانحلال والتبدّل بينما الإنسان المخصوص شيء باقٍ من أول العمر إلى نهايته والباقي مغاير للمتبدّل ولا شك. ومن مظاهر التبدّل والتحوّل صيرورة الإنسان في السمن مرةً وفي الهزال مرةً أخرى وضعيف الجثّة ثمّ قويها. ويجد كلّ إنسانٍ من نفسه أنّه شيء واحد طوال مراحل العمر المختلفة. وقد يكون الإنسان عالمًا بنفسه وأحيانًا يكون غافلًا عن جميع أعضائه وأجزائه كما في حالة النوم. ففي النوم يضعف البدن وتقوى النفس فنشاهد الأحوال ونطّلع على المغيبات ونقوش عالم الأراوح. وإذا كان ضعف البدن ينشّط قوى النفس، معنى ذلك أنّ ضعف البدن لا يوجب ضعف النفس أبدًا ممّا يقوي الظنّ أنّ موت البدن لا يستعقب موت النفس. فما كان من كمال النفس كان من نقصان البدن. وهذا يؤكد أنّ النفس لا تموت بموت البدن. وأنّ أحوال النفس على ضدّ أحوال البدن. ويلاحظ في الحياة نفور الإنسان من دواعي الجسد عندما يتعرّض لبعض المسرّات والسعادات النفسانية كالبشارة السارة الطارئة. فالوجود النفسي المغاير للبدن المحسوس لا يبعد أن ينفصل بعد موت البدن حيًا يستشرف عذاب القبر أو نعيمه.

ويجد كلًا من أحوال النفس من الغضب والفرح غير أحوال البدن تمامًا. فقوّة أحدهما تقتضي ضعف الآخر ولابد. وللسادة المتصوفة أصحاب الكشوفات والإشارات مذاهب في هذا المجال. يقولون أنّ النفس إذا أعرضت عن الطعام والشراب أقبلت على مطالعة العالم العلوي، وزادت سرورًا وابتهاجًا وفرحًا وارتياحًا وحبورًا وانطبعت فيها الأمارات القدسية وانكشفت لها المعارف الإلهية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت