والظاهر أنّ النفس تبقى متعلقةٍ ببدنها لا كما كان جهازًا يحرّك دولاب البدن ويدبر الأفعال. تبقى متعلقةً بالبدن بتعاطي اللذة أو الألم وتمثلها. و يكفي أن يكون الميت مدركًا للذة الغير أو ألمه إلى قيام القيامة الكبرى. وهذا القدر لا ينافي كون البدن مشاهدًا في القبر من غير حركةٍ ولا إحساسٍ ولا نطق. ويؤيّده ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنّه وقف على قليب بدرٍ وقال:"يا فلان ابن فلان ويا فلان بن فلان هل وجدتم ما وعدكم ربكم ورسوله حقًا فإنّي وجدت ما وعدني ربي حقًا؟ فقال عمر: (يا رسول الله كيف تكلّم أجسادًا لا أرواح فيها؟) فقال: (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، غير أنّهم لا يستطيعون أن يردّوا شيئًا) . وفي حديث القبر:"إنّه ليسمع قرع نعالهم". وقال النيسابوري:"لعل السرّ في أنّه اكتفى بهذا القدر من التصرّف أنّه إن كان أكثر من ذلك كما سيكون في القيامة الكبرى في تكليف سائر الأحياء وأفضى الأمر إلى الإلجاء، وهو السرّ في آخر حديث القبر:"فيصيح صيحةً يسمعها من يليه غير الثقلين". والنيسابوري يعني أنّ الخلائق لو اطلعت على أحوال الموتى لأكثر من هذا لأدّى ذلك لإيمان الخلائق قسرًا وجبرًا وبطلت قيمة الإيمان بالغيب بصيرورة المستور مشاهدًا ومبصورًا.
واحتجّ الذين يرون بقاء أجساد الشهداء في القبور وأنّها لا تبلى تحت الأرض بما روي أنّه لمّا أراد معاوية إجراء العين على قبور الشهداء أمر بأن يُنادى: من كان له قتيل فليخرجه من هذا الموضع، قال جابر فخرجنا إليهم فأخرجناهم رطاب الأبدان، فأصابت المسحاة إصبع رجلٍ منهم فقطرت دمًا. والله أعلم بأسرار المخلوقات.