الصفحة 52 من 90

الوجود غيره، يعني كلّ عدم إلاّ وجهه ثمّ اقتضت حكمته ومشيئته أن يخلق العرش ويجعله على الماء. فكأنّ الخلق بدأ بالماء ثمّ العرش.

فإذا كان العرش صُنع من ماء فيكون الماء الجوهر الذي صدر ت عنه جميع الخلائق، لطيفها وكثيفها، وأنّ الله سبحانه وتعالى ابتدعه ابتداعًا إيجادًا من عدم أي من لا شيء. فيكون الماء أوّل موجودٍ مسبوقٍ بعدم وغير مسبوقٍ بشيء غيره. وإن لم يكن العرش صادرًا عنه وكان مساوقًا له في النشأة فيكون مخترعًا آخر من غير جنس الماء. وبذلك يكون الماء والعرش أوّل مخترعين يخرجان من الغيب إلى الوجد ويسجّلان بذرة الكون في العالم.

وإذا كان ذلك كذلك فيكون الموجودان ذا طبائع مختلفة كأن كان العرش وجودًا لطيفًا لطف عن الأبصار فلا نعلم عنه شيئًا إلاّ عن طريق السّمع أي النقل بينما كان الماء وجودًا كثيفًا تتعلّق به جميع الحواس ولا تخطئه الأيدي والأبصار.

وبذلك اتّخذ المبدعان الجديدان مسارين مختلفين. فكان الأوّل خارجًا عن مجال الدراسة والعلم التجريبيّ والبحث، بينما الثاني أي الماء صار مادة الخلق جميعًا، مادة وروحانية كما يدلّ الأثر.

وبهذا فسوف يُتابع تطوّرات الخلق لكونه صالحًا للبحث وواقعًا تحت التجربة للاعتبار وأيةً على مبدعه ومخترعه من العدم. وحديث البخاري تسانده آية قرآنية في نفس المعنى وهي قوله تعالى: (وهو الذي خلق السموات والأرض في ستّة أيّام وكان عرشهه على الماء ليبلوكم أيّكم أحسن عملًا) هود: 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت