وما جاء في تفسير هذه الآية يعزّز ما تقرّر آنفًا. وفحوى ما جاء من التفاسير لقوله تعالى: (وكان عرشه على الماء) أي ما كان تحته خلق قبل خلق السموات وارتفاعه فوقها إلاّ الماء. وفيه دليلٌ على أنّ العرش والماء كانا مخلوقين قبل السموات والأرض.
وقال أبوبكر البيهقي في كتاب الأسماء والصفات له قوله - صلى الله عليه وسلم -"كان الله ولم يكن شيء قبله"يعني لا الماء ولا العرش ولا غيرهما.
وقوله:"وكان عرشه على الماء"يعني وخلق الماء وخلق العرش على الماء ثمّ كتب في الذكر كلّ شيء.
ويرى، أيضًا، قومٌ من الفلاسفة أنّ الماء أي الجوهر السائل أصل كلّ الأجسام كثيفها من تكاثفه ولطيفها من شفائفه. ومعنى ذلك أنّ الله خلق في الفضاء ماءً حمله على متن ريح فاستقلّ عليها حتى صارت له مكانًا ثمّ خلق فوق ذلك الريح ريحًا أخرى سلّطها عليه فموّجته تمويجًا شديدًا حتى ارتفع فخلق منه الأجرام العليا والنيّرات وسائر السيّارات.
وبهذا نصل إلى أنّ الماء هو أوّل منزلة من منازل الخلق القرآني. وهذا يعني أنّه ابتدع ابتداعًا واخترع اختراعًا من قبل البارئ جلّ وعلا الذي أنشأه إنشاءًا وابتدأه ابتداءًا، بلا روية، أي فكر، آجالها ولا تجربة استفادها من أحدٍ غيره. فكان الفعل دليلًا على قوّةٍ وكانت القوّة برهانًا على وجود الله.