ويرى، أيضًا، قومٌ من الفلاسفة أنّ الماء أي الجوهر السائل أصل كلّ الأجسام كثيفها من تكاثفه ولطيفها من شفائفه. ومعنى ذلك أنّ الله خلق في الفضاء ماءً حمله على متن ريح فاستقلّ عليها حتى صارت له مكانًا ثمّ خلق فوق ذلك الريح ريحًا أخرى سلّطها عليه فموّجته تمويجًا شديدًا حتى ارتفع فخلق منه الأجرام العليا والنيّرات وسائر السيّارات.
وبهذا نصل إلى أنّ الماء هو أوّل منزلة من منازل الخلق القرآني. وهذا يعني أنّه ابتدع ابتداعًا واخترع اختراعًا من قبل البارئ جلّ وعلا الذي أنشأه إنشاءً وابتدأه ابتداءًا، بلا روية، أي فكر، آجالها ولا تجربة استفادها من أحدٍ غيره. فكان الفعل دليلًا على قوّةٍ وكانت القوّة برهانًا على وجود الله.
وإذا كان في الماضي يعدّ عنصرًا فقد فلق إلى عنصرين آخرين هما الأكسجين والهيدروجين اللذان يملآن بعض الفضاء ويشاركان في تكوين الأجرام وسير الحياة في الأرض. فمن أين جاء هذان العنصران؟ ومن أي شيء اشتقا؟ ومن أي شيء تمّ استنسالهما؟ إلى آخر الأسئلة الحائرة. هنا يحتار العقل ويرتبك الذهن أمام إبداعٍ خارقٍ وصنعٍ بديع.
وبهذا يحتلّ الخلق التأصيلي المنزلة الأولى والرتبة العليا من بين صنائع الرحمن. إذ هو الاختراع الأصعب في العقل البشري غير