الصفحة 3 من 27

مقدمة:

عرف الأشتر النَّخَعي فارسًا أكثر منه شاعرًا، فلقد كان في ميدان القتال أبرع منه في ميدان الشعر، وأطول باعًا، وأعظم أثرًا. ولذلك نجد من أخباره في كتب التاريخ أكثر مما نجد من أخباره في كتب الأدب، بل إن كتب الأدب تغفله أو تكاد. ولقد كان من جرّاء ذلك أن صارت أشعاره عرضة للضياع إما بسبب الإهمال وإما بسبب نسبة بعضها إلى غيره من الشعراء. ولكن مع ذلك يبقى جمع شعره - وشعر غيره من الشعراء المقلين أو المغمورين - عملًا مفيدًا، ليس لأنه يسهل دراسته والكشف عن جمالياته وحسب، بل، أيضًا، لأنه يسهم في الكشف عن بعض منابع الصورة الشعرية عند الشعراء الأكثر شهرة، ويجعلنا أقدر على معرفة الصحيح من المزيف من الإبداع الشعري، وفي ذلك كله خدمة لتراثنا الأدبي الأصيل.

اسمه ونسبه ولقبه:

هو مالك بن الحارث (1) بن عبد يغوث (2) بن مَسلمة (3) بن ربيعة بن الحارث بن جُزَيمة (4) بن سعد بن مالك بن النَّخَع (5) وجسر ابن عمرو بن عُلَة بن جَلْد بن مالك (6) وهو (مُذْحِج) وهو ابن أُدَد بن زيد بن يَشْجُب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ (7) . و (مُذْحِج) (8) من القبائل اليمانية الكبيرة، وتقع منازلها جنوب منازل خثعم وشمال ديار فهد (9) وهي مجموعة قبائل منها النَّخع. وللنَّخَع بطون كثيرة أيضًا (10) .

أما (الأشتر) فلقب عرف به، وهو مشتق من الشَّتَر، وهو انشقاق جَفْن العين (11) وذلك أن رجلًا من إياد ضربه يوم اليرموك على رأسه فسالت الجراحة قيحًا إلى عينيه فشترته (12) . ويذكر صاحب لباب الآداب أن اللقب جاءه بضربة أصابته في قتال بني حنيفة حين ارتدوا، ويذكر ذلك في قصة طريفة (13) ، ولكن الأرجح أن الشتر جاءه من غزو الروم في موقعة اليرموك التي أبدى فيها شجاعة بالغة، وترك فيها أثرًا مذكورًا (14) . وهناك روايات تقول إن عينه قد فقئت وذهبت يوم اليرموك (15) ، وهذا أمر مستبعد، إذ لو ذهبت عينه لصار لقبه"الأعور"وليس"الأشتر".

لقد اشتهر مالك بلقب"الأشتر"حتى لقد طغى على اسمه فصار الناس يعرفونه به أكثر مما يعرفونه باسمه، وهناك روايات كثيرة تدل على ذلك، منها مثلًا، أنه لقي عبد الله بن الزبير، وكان آخذًا بخطام الجمل في موقعة الجمل، فعانقه فسقطا أرضًا، فنادى عبد الله:"اقتلوني ومالكًا" (16) فلم يستجب لدعوته أحد، لأنهم لم يعرفوا أن مالكًا هو الأشتر. وقيل: لو قال اقتلوني والأشتر، وكانت للأشتر ألف نفس، ما نجا منها شيء (17) ، ولذلك كان الأشتر يقول: ما أحب أن يكون قال:"الأشتر"وأن لي حمر النعم (18) .

وكذلك عندما انهزمت ميمنة العراق في موقعة صفين استقبل الأشتر الناس منهزمين، فقال:"إلي أيها الناس، أنا مالك بن الحارث، أنا مالك بن الحارث، ثم ظن أنه بالأشتر أعرف في الناس، فقال: أنا الأشتر .." (19) .

صفاته:

كان الأشتر من أعظم الرجال وأطولهم، إلا أن في لحمه خفة قليلة (20) ، وقد ذكره صاحب المحبر فيمن كان يركب الفرس الجسام فتخط إبهاماه الأرض (21) . وكان شديد البأس، جوادًا، رئيسًا، حليمًا، فصيحًا، شاعرًا (22) . وقد وصفه علي بن أبي طالب (ر) في كتاب له إلى زياد بن النضر وشريح بن هانيء فقال:"أما بعد، فإني قد أمّرت"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت