عليكما مالكًا، فاسمعا له وأطيعا، فإنه ممن لا يخاف رهقه ولا سقاطه، ولا بطؤه عما الإسراع إليه أحزم، ولا الإسراع إلى ما الإبطاء عنه أمثل" (23) ."
وكان الأشتر معروفًا بالقوة والشجاعة مشهورًا بهما، ويروى عن عبد الله بن الزبير أنه قال:"لما اصطفنا يوم الجمل خرج علينا صائح يصيح من قبل علي رضوان الله عليه: يا معشر فتيان قريش، أحذركم الرجلين العابدين جندب بن زهير والأشتر مالك (رضي الله عنهما) فلا تقوموا لأسنتهما، أما جندب بن زهير فرجل ربعة يجر درعه حتى يعفو أثره، وأما الأشتر فلأ نيابه قعقعة في الحرب" (24) وفي اليوم الثالث من معركة الجمل برز عبد الله بن الزبير ودعا إلى المبارزة فبرز إليه الأشتر، فقالت عائشة (ر) : من برز إلى عبد الله؟ قالوا: الأشتر، فقالت: واثكل أسماء (25) . وقيل إنها أعطت الذي بشرها بحياته إذ التقى مع الأشتر عشرة آلاف درهم (26) ، وفي رواية أخرى أربعة آلاف درهم (27) . وليس أدل على قوة الأشتر من أن رجلًا ذمه فقال له رجل من النخع:"اسكت، فإن حياته هزمت أهل الشام، وموته هزم أهل العراق (28) ."
ولكن هذا الرجل الضخم القوي كان يحمل بين جوانحه قلبًا مرهفًا ممتلئًا بالإيمان فياضًا بالمشاعر، فقد كان"يجمع بين اللين والعنف، فيسطو في موضع السطو، ويرفق في موضع الرفق" (29) . ومما يدل على رقته أنه أسر رجلًا من أهل الشام في صفين، فشد وثاقه وألقاه عند أصحابه ينتظر الصباح، فرفع صوته وأسمع الأشتر أبياتًا رقيقة يطلب فيها العفو، فرق له الأشتر، وغدا به على علي وقال:"يا أمير المؤمنين هذا رجل من المسلحة لقيته بالأمس .. وقد بات عندنا الليلة وحركنا بشعره، فإن كان فيه القتل فاقتله وإن غضبنا فيه، وإن ساغ لك العفو عنه فهبه لنا. قال: هو لك يا مالك ..." (30) فرجع به الأشتر إلى منزله وأعاد إليه ما أخذ منه.
ليس في المصادر التي بين أيدينا ما يفيدنا بمعرفة تاريخ إسلام الأشتر، وكل ما ذكر أن النَّخَع أرسلت رجلين منها إلى النبي صلي الله عليه وسلم هما أرطاة بن سراحيل بن كعب وهو من بني حارثة بن مالك، والجهيش واسمه الأرقم من بني بكر بن عوف بن النخع. ثم جاء وفد آخر من وفد النخع من اليمن سنة إحدى عشرة، وهم مئتا رجل، فأسلموا، وبايعوا الرسول، وكانوا قد بايعوا معاذ بن جبل باليمن (31) . فهل جاء الأشتر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأعلن إسلامه؟ هل كان ضمن الوفد؟ أم أنه أسلم في بلاده بعد أن ذهب معاذ بن جبل إلى اليمن؟ هذه أسئلة لم تستطع المصادر التي استطعنا الوصول إليها أن تقدم لها إجابات واضحة.
ولكن من المعروف أن الأشتر أدرك الرسول صلى الله عليه وسلم وقد ذكره صاحب الإصابة في قسم"من كان في عهد النبي ويمكنه أن يسمع منه، ولم ينقل أنه سمع منه سواء كان رجلًا أو مراهقًا أو مميزًا" (32) . والأشتر على أية حال معدود في التابعين.
وإذا كانت المصادر لا تشير إلى تاريخ إسلام الأشتر، فإنها تشير إلى حسن إسلامه وعمق إيمانه، ولقد كان جهاده دليلًا على ذلك، وكانت مواقفه المختلفة في ساحات الحرب شاهدًا. ويكفي أن نذكر هنا، على إيمان الأشتر، دليلًا واضحًا يكفينا مؤونة سرد شواهد كثيرة، فمن المعروف أنه شهد وفاة أبي ذر الغفاري (ر) (33) ، وكان أبو ذر قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنفر أنا منهم: ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد مات في قرية أو جماعة، فأنا ذلك الرجل والله ما كذبت ولا كذبت" (34) . وقد شهد له بالإيمان علي بن أبي طالب (ر) في أكثر من مناسبة، ومن ذلك رسالته التي بعث بها إليه بعد أن"