الصفحة 5 من 27

فسدت مصر على محمد بن أبي بكر إذ قال:"أما بعد، فإنك ممن استظهر على إقامة الدين، وأقمع به نخوة الأثيم، وأشد به الثغر المخوف .." (35) . ويمكن أن نلاحظ حسن إسلامه والتزامه من خلال سلوكه في حوادث كثيرة منها هذه التي يحدثنا عنها عبد الله بن الزبير إذ يقول:"التقيت بالأشتر النخعي يوم الجمل فما ضربته ضربة حتى ضربني خمسًا أو ستًا، ثم أخذ برجلي فألقاني في الخندق، وقال: والله لولا قرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اجتمع منك عضو إلى آخر" (36) .

بقي أن نشير إلى أن الأشتر قد روى عن عمر، وخالد بن الوليد، وأبي ذر، وعلي، رضي الله عنهم. وروى عنه ابنه إبراهيم، وأبو حسان الأعرج، وكنانة مولى صفية، وعبد الرحمن بن يزيد النخعي وعلقمة، وغيرهم. وقد ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين في الكوفة (37) .

حياته:

لم تهتم المصادر بذكر تاريخ ولادة الأشتر، أو بتحديده على وجه التقريب، أو حتى بالحديث عن المرحلة الأولى من حياته. فلسنا نعرف شيئًا عن سني حياته الأولى، أو عن مطلع شبابه. كما أننا لا نعرف شيئًا ذا بال عن حياته الاجتماعية الخاصة، فنحن مثلًا لا نجد ذكرًا لأزواجه، كما لا نعرف من أبنائه سوى اثنين هما إبراهيم ودريد، وقد كان إبراهيم معروفًا بالشجاعة كأبيه، ووفد على الرسول صلى الله عليه وسلم فعقد له لواء شهد به القادسية، فقتل، فأخذه أخوه دريد فقتل أيضًا (38) .

عاش الأشتر في الكوفة بعد أن سكنها قومه إثر استقرار المقاتلين المهاجرين فيها، وكانت النخع قد سكنت جنوب المسجد، وكان بينها وبين أسد طريق، وبينها وبين كندة طريق (39) . ويمكن أن نرجح أن الأشتر لم يكن صغيرًا عندما انتقل إلى الكوفة، بل كان شابًا ناضجًا، لأنه يبدو فيها سيدًا مطاعًا وشخصية معروفة بارزة، إذ نراه يخرج مع سعيد بن العاص من مكة - أو من المدينة - حين عين أميرًا على الكوفة (40) .

وربما كانت أول إشارة إلى الأشتر بعد إسلامه هي أنه شهد خطبة عمر (ر) بالجابية (41) ، وذكره هنا يدل على أنه كان رجلًا معروفًا ذا شأن، ولكن اسمه بعد ذلك راح يلمع إثر مواقفه العظيمة في فتوح الشام، ثم في معركتي الجمل وصفين. وقد ذكرنا من قبل أنه شهد اليرموك، وهناك إشارات إلى أنه شهد القادسية (43) .

وقد استطاع الأشتر أن يثبت جدارة جعلته محل ثقة من القادة في فتوح الشام، إذ يذكر الواقدي أن أبا عبيدة ضم مئة فارس في فتح عزاز (44) وألبسهم زي الروم، وكان كل عشرة من قبيلة، وأمر على كل عشرة نقيبًا، ثم أرسل وراءهم ألف فارس، وأمر عليهم مالكًا الأشتر (45) . وقد فتحت عزاز الشام على يدي مالك وسقط حصنها المنيع (46) .

ثم راح دور الأشتر يتعاظم في الدولة الإسلامية متجاوزًا ما هو (عسكري) إلى ما هو (سياسي) في وقت كانت الدولة تعيش فيه أزمة، أو مايشبه الأزمة، في أواخر خلافة عثمان (ر) . وراح اسمه يظهر في سماء الأحداث كواحد من أهم الشخصيات المؤثرة منذ بداية تلك الأحداث في الكوفة.

وربما يمكن اعتبار ما جرى في مجلس سعيد بن العاص، والي الكوفة، سنة ثلاث وثلاثين الشرارة التي أضرمت النار. فقد كان سعيد يختار وجوه الناس للسمر عنده، وذات ليلة سمر عنده وجوه أهل الكوفة ومنهم مالك الأشتر الذي اعترض على الأمير عندما قال:"إنما هذا السواد بستان لقريش"فقال له:"أتزعم أن السواد الذي أفاءه الله علينا بأسيافنا بستان لك ولقومك! والله ما يزيد أوفاكم نصيبًا إلا أن يكون كأحدنا" (47) . ثم لم يلبث الموقف أن تطور

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت