وتجاوزت أحداثه مجلس الأمير الذي شعر بالقلق، فأرسل يخبر عثمان (ر) بما جرى، فطلب الخليفة تسيير الأشتر مع مجموعة من رفاقه الذين ساندوه إلى معاوية. وقد وصل هؤلاء الشام وحاورهم معاوية وحاوروه، فلم يقنعهم ولم يقنعوه، وخاف على أهل الشام من وجودهم (48) ، فكتب إلى عثمان (ر) طالبًا ردهم إلى مصرهم، فأمر بردهم إلى سعيد بالكوفة، ثم لم يلبث أن أمر سعيدًا بتسييرهم إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد أمير حمص، فعاملهم هذا بقسوة شديدة حتى أظهروا له الطاعة، ثم سرح الأشتر إلى عثمان (ر) ، فأتى عثمان بالتوبة عنه وعن رفاقه (49) .
بعد ذلك، كان للأشتر دور بارز في إلزام عثمان (ر) بعزل سعيد وتولية أبي موسى. حتى إذا كانت الفتنة رأيناه على إحدى فرق الكوفة الأربع التي كان لها دور في حصار الخليفة (50) . وقد كان الخليفة يدرك منزلة الأشتر في أهل الكوفة فأرسل إليه في الحصار ليحاوره في مطالب الثوار (51) ، ولم يثمر الحوار عن شيء، وراحت الأحداث تتسارع، حتى إذا بلغت الفتنة آخر أطوارها اعتزلها الأشتر ولم يسهم في مقتل الخليفة.
تلك الأحداث الخطرة الهامة صقلت شخصية الأشتر، وأغنت تجاربه، وزادت من شهرته إلى حد بعيد، وأهلته لدور هام آخر في تولية علي (ر) . فلما قتل عثمان (ر) أتى الناس عليًا وهو في سوق المدينة يريدون مبايعته، فأبى،"فأخذ الأشتر بيده فقبضها علي، فقال: أبعد ثلاثة! أما والله لئن تركتها لتقصرن عينتك عليها حينًا، فبايعته العامة. وأهل الكوفة يقولون: إن أول من بايعه الأشتر" (52) . وعندما بايعه قال: أبايعك يا أمير المؤمنين على أن علي بيعة أهل الكوفة ..." (53) وخطب في الناس مؤيدًا لعلي ومشيرًا إلى منزلته العظيمة (54) ."
ولم يكتف الأشتر بمبايعة علي (رضي الله عنه) باسمه وباسم أهل الكوفة، وبإعلان تأييده، والتنويه به، والتأكيد على أحقيته، بل راح يتبع كبار المترددين في مبايعة الخليفة الجديد ويرغمهم على البيعة. فعندما تلكأ طلحة عن بيعة علي قام الأشتر وسل سيفه وقال:"والله لتبايعن أو لأضربن به بين عينيك" (55) . وقيل إنه"جاء بطلحة يتله تلًا عنيفًا، وهو يقول له دعني أنظر ما يصنع الناس، فلم يدعه حتى بايع عليًا" (56) ، وكذلك عندما تردد عبد الله بن عمر بن الخطاب عن البيعة قال الأشتر لعلي:"إن هذا رجل أمن سوطك وسيفك، فأمكني منه" (57) .
كان الأشتر محبًا لعلي (ر) مقربًا منه، مساندًا له، وكان علي (ر) محبًا للأشتر، واثقًا به، معتمدًا عليه. والمصادر التي بين أيدينا لا تحدثنا عن بداية العلاقة بينهما، ولا تذكر لنا متى بدأت وكيف وأين، ولكنها تصور الأشتر كما رأينا من قبل أكثر الناس حرصًا على بيعته. ولا يبقى أمامنا إلا أن نرجح أن مواقف الأشتر كانت نابعة من إيمان عميق بأحقية علي (ر) بالخلافة، ومن إعجاب شديد بشخصيته، ومن يقين بعظيم منزلته الدينية والدنيوية، ومن ثقة كبيرة بقدرته على قيادة الدولة الإسلامية في تلك المرحلة الصعبة. فهو لم يزل مؤيدًا له، حريصًا على بسط سلطته، غير متردد في مواجهة كل معارض أو مناوئ، ولذلك كان من المتوقع أن نجد له دورًا كبيرًا في معركة الجمل، وهو دور جعل السيدة عائشة (ر) تحقد عليه وتدعو عليه (58) .
فإذا ماانتهت معركة الجمل وكانت حرب صفين رأينا الأشتر من القادة الأكثر أهمية وتأثيرًا، بل يكاد يكون الرجل الثاني بلا منازع على الجبهة العراقية. فقد كان على خيل أهل الكوفة (59) ، وكان له أثر كبير في القتال وفي تحويل الهزيمة، في غيرما من موقع، إلى انتصار (60) ، وكان الناس يستنجدون به فيبدي بطولة عظيمة. فذات يوم كانت راية أهل الشام مع عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وكان يحمل بها فلا يلقاه شيء إلا هده، فنادى الناس الأشتر، وقالوا: أما ترى اللواء أين قد بلغ؟ فتناول الأشتر لواء أهل العراق، وقاتل أهل الشام حتى ردهم على أعقابهم (61) . ويوم الفرات كشف بسيفه أهل الشام عن الماء (62) . وعندما انتهى علي (ر) إلى الرقة وأبى أهلها أن يجسروا له جسرًا هددهم الأشتر، وأقسم أن يعمل فيهم السيف إن عصوا أمير المؤمنين، فخافوا، ونصبوا الجسر فعبر الناس، وعبر الأشتر آخر