الصفحة 7 من 27

الناس راجلًا (63) . وصباح ليلة الهرير أخذ الأشتر يزحف بالميمنة ويقول لأصحابه:"ازحفوا قيد هذا الرمح، ويزحف بهم نحو أهل الشام، فإذا فعل ذلك بهم قال: ازحفوا قيد هذه القوس، فإذا فعلوا سألهم مثل ذلك حتى مل أكثر الناس الإقدام، وخرج يسير في الكتائب ويقول: من يشتري نفسه ويقاتل مع الأشتر حتى يظهر أو يلحق بالله" (64) .

كان إيمان الأشتر بحق علي (ر) في الخلافة يبلغ حد اليقين، وكان إيمانه ببطلان دعوى معاوية يبلغ حد اليقين أيضًا (65) ولذلك كان يرى قتال معاوية جهادًا لإحقاق الحق وإبطال الباطل، فكان شديد الحماس للحرب، ولم يرغب في تركها عندما طلب أهل الشام التحكيم ومال إلى ذلك بعض أهل العراق. فعندما أرسل إليه علي يزيد بن هانيء يستدعيه، وكان يقاتل، قال الأشتر:"ليست هذه بالساعة التي ينبغي لك أن تزيلني فيها عن موقفي، إني قد رجوت أن يفتح الله لي" (66) ، ولم يرجع يومئذ حتى أخبر أن الفتنة ستقع، وأن عليًا قد يقتل، فجاء وحاجج القوم الذين رغبوا في التحكيم ووبخهم، فتسابوا حتى أمرهم علي (ر) بالسكوت، وتنازع الأشتر والأشعث في هذا كلامًا عظيمًا حتى كاد يكون الحرب بينهم (67) . وظل الأشتر يشجع عليًا (ر) على المضي في الحرب (68) . ولذلك كان من الطبيعي أن يرفض التوقيع على صحيفة الموادعة عندما دعي إلى ذلك، وقد قال:"لا صحبتني يميني، ولا نفعتني بعدها شمالي، إن خط لي في هذه الصحيفة اسم على صلح أو موادعة، أولست على بينة من ربي ومن ضلال عدوي، أو لستم قد رأيتم الظفر لو لم تجتمعوا على الجور" (69) . وعندما أخبر علي (ر) أن الأشتر لم يرض بالصحيفة، ولم ير إلا القتال قال:"ولا أنا، والله، رضيت، ولن يصلح الرجوع بعد الكتاب" (70) .وقد كانت وثيقة التحكيم تخدم معاوية وتضر عليا (لأن عليا ينتسب إلى تراث تاريخي لإضفاء الشرعية على خلافته وليس إلى النص المقدس الصامت حول هذا الموضوع، بينما يستطيع معاوية، عند اللزوم، أن يجد فيه عناصر لدعم مطلبيه: المطلب المتعلق بدم عثمان والمطلب الداعي إلى الشورى) (71)

هذا الاعتراض على التحكيم من قبل الأشتر، قوبل بعدم رضى من قبل القسم الأعظم من الناس، هؤلاء الذي أضنتهم الحرب وأنهكتهم، وراحوا يتطلعون إلى حياة هادئة ينصرفون فيها إلى شؤونهم الحياتية الخاصة، بعيدًا عن صهيل الخيول وقعقعة الحديد. ولذلك كان من المتوقع أن يعترض هؤلاء على ترشيح الأشتر حكمًا عن العراقيين، وأن يرفضوه (72) ، فقد كانوا يدركون أن رجلًا يرفض التوقيع على صحيفة الموادعة لا يمكن يخرج إليهم بالحل الذين يتمنون. بل يبدو أن بعضهم سعى لإحداث خلل في العلاقة المتينة بين علي (ر) والأشتر مستغلًا رفض الأشتر لما قبل به علي (ر) ، ولكن عليًا (ر) كان يثق بالأشتر ويدرك حقيقة موقفه، ولذلك قال عندما شكا الناس إليه رفض الأشتر:"ياليت فيكم مثله اثنين، ياليت فيكم مثله واحدًا يرى من عدوي ما أرى، إذا لخفت علي مؤونتكم ورجوت أن يستقيم لي بعض أودكم ..." (73) .

وفاته:

تبدو المصادر التي كانت ضنينة بالحديث عن حياة الأشتر الأولى سخية بالحديث عن وفاته، وهي تكاد تجمع على أنه مات مسمومًا بسبب شربة عسل وأن ذلك كان وهو في طريقه إلى مصر بعد أن ولاه عليها علي بن أبي طالب (ر) (74) . فقد كان الأشتر عاد، بعد صفين، إلى عمله بالجزيرة، فكتب إليه علي (ر) وهو بنَصِيبِين يستدعيه، فأخبره خبر أهل مصر، وقال: ليس لها غيرك فاخرج إليها. وقيل كان ذلك بعد صرف قيس بن سعد بن عبادة (75) ، أو لما فسدت مصر على محمد بن أبي بكر (76) . أما تاريخ وفاته ففيه خلاف يسير، فبعضهم يقول: إنه توفي سنة ثمان وثلاثين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت