الصفحة 8 من 27

(77) ، وبعضهم يقول إنه توفي سنة تسع وثلاثين (78) ، والأول أرجح. وقيل إنه توفي بالقلزم (79) وقيل بل توفي بالعريش (80) .

وتذهب روايات كثيرة إلى أن موته مسمومًا كان نتيجة مؤامرة بين معاوية ومن قدم له شربة العسل (81) . فعندما تجهز الأشتر إلى مصر"... أتت معاوية عيونه لشخوص الأشتر واليًا على مصر، فبعث إلى رأس أهل الخراج بالقلزم، فقال له: إن الأشتر قادم عليك، فإن أنت لطفت لكفايتي إياه لم آخذ منك خراجًا ما بقيت، فاحتل بما قدرت عليه. فخرج الأشتر حتى إذا أتى القلزم، وكان شخوصه من العراق في البحر، استقبله الرجل، فأنزله وأكرمه وأتاه بطعام، فلما أكل قال أي الشراب أحب إليك أيها الأمير، قال: العسل. فأتاه بشربة منه قد جعل فيها سمًا. فلما شربه قتل من يومه أو غده" (82) .

وليس من المستبعد أن يكون معاوية وراء موت الأشتر مسمومًا، فلقد كان يخشاه ويعرف منزلته وتأثيره في الناس، ويدرك أن وجوده في مصر واليًا عليها قد يجعل منها جبهة أخرى واسعة ضده، فتكون الشام بين جبهتين قد لا تستطيع أن تثبت لهما، ولا سيما أن الجبهة العراقية لم تكن هادئة بالقدر الذي يبعث على الاطمئنان. ثم إن خسارة مصر (كانت تسدد ضربة لعالمية الوظيفة الخليفية التي كان(معاوية) يريد تجسيدها. وفي المقابل كان توسيع مجال نفوذ معاوية يعزز من مطامعه، يضاف إلى ذلك أن الاستيلاء على مصر كان حيويا بالنسبة إليه) (83)

ولا ريب في أن موت الأشتر كان نصرًا لمعاوية، ولذلك عندما بلغه نبأ وفاته قام في الناس خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه وقال:"أما بعد، فإنه كانت لعلي بن أبي طالب يدان يمنيان، قطعت إحدهما يوم صفين - يعني عمار بن ياسر - وقطعت الأخرى اليوم، يعني الأشتر" (84) . ومما قاله أيضًا:"إن لله جنودًا من العسل" (85) . أما بالنسبة إلى علي (ر) فقد كان موت الأشتر قاصمة الظهر، ولذلك عندما بلغه نبأ وفاته صاح"لليدين وللفم" (86) ، وقال أيضًا:"على مثلك فلتبك البواكي يا مالك، وأنّى مثل مالك!" (87) . وقال:"رحم الله مالكًا فلقد كان لي كما كنت لرسول الله" (88) .

شعر الأشتر:

طغت شهرة الأشتر المقاتل على شهرة الأشتر الشاعر، فكان الاهتمام بأخباره أكثر من الاهتمام بأشعاره، وكان ذكره في كتب التاريخ أكثر من ذكره في كتب الأدب. ومن المعروف أن المؤرخ ينصرف باهتمامه إلى الحادثة التاريخية، أما الأدب الذي ينتج عنها فلا يعنيه إلا بمقدار ما يضيئها ويوضحها. ولذلك فإن ما نجده للأشتر من شعر في المصادر التاريخية جاء يدور في فلك الحرب والقتال وقد جاء معظمه في سياق الحديث عن وقعة صفين. ومع ذلك يبدو هذا الشعر قليلًا بالقياس إلى نشاط الأشتر العسكري وبالقياس إلى خطورة المعارك التي خاضها. فنحن لا نكاد نجد له في المصادر التي رجعنا إليها سوى عدد قليل من الأبيات الشعرية لا يكاد يبلغ خمسين بيتًا من الشعر ومجموعة من الأراجيز لا تكاد تبلغ العشرين وهي أراجيز صغيرة قصيرة قيلت أثناء القتال عند النزال أو عند الاستعداد له، أما الأبيات الشعرية فتتوزع على شكل مقطوعات قصيرة، ولا نجد سوى قصيدتين قصيرتين أيضًا تبلغ إحداهما أحد عشر بيتًا وهي لا مية، وتبلغ الأخرى ثمانية أبيات وهي ميمية.

وأشعار الأشتر، بشكل عام، تحمل ملامح الأشعار التي قيلت في المعارك التي دارت في عهد الخلفاء الراشدين، فهي تتميز بالإيجاز والعفوية والبساطة، ومقطوعاته الشعرية تتخفف من المقدمات ومن تعدد الأغراض، وذلك كله نتيجة طبيعية لأحداث المعركة المتلاحقة التي لم تكن تتيح للشعراء التقيد بالنظام التقليدي للقصيدة العربية، فكانوا يطرقون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت