الصفحة 9 من 27

موضوعاتهم بشكل مباشر من غير اهتمام بمقدمات أو انشغال بالدخول في موضوعات أخرى. ولذلك جاءت أشعار الأشتر - إلا أقلها -للتعبير عن مواقف من المعركة بما يتطلبه ذلك من تهديد ووعيد وفخر بقوّة وذكر لأنجازات.

كذلك جاء الرجز في شعر الأشتر أكثر من القصيد- وهذا ما نلاحظه في شعر المعارك بشكل عام - وذلك لأن الأشتر لم يكن من الشعراء الممتازين، ولأن الرجز كان بحرًا سهلًا كثير الدوران على ألسن المقاتلين منذ الجاهلية. ورجز الأشتر لا يختلف عن رجز أسلافه الجاهليين إلا في بعض آثار إسلامية تظهر على استحياء من خلال ذكر"الرّب"و"الكفر"و الإيمان"و"المعاد"وذكر الرغبة في الشهادة. وهو رجز يدور في فلك التحدي والفخر بالقوة والنسب."

ولما كانت هذه الأشعار في معظمها قيلت في حرب صفين فمن الطبيعي أن يكون كتاب"وقعة صفين"لنصر بن مزاحم المصدر الأخصب لها، وكذلك كتاب"شرح نهج البلاغة"لابن أبي الحديد. أما المصادر التاريخية الأخرى فقد أهملت شعر الأشتر أو كادت وهي لم تقف عند صفين وقفة خاصة مطولة، فالطبري، مثلًا، في تاريخه ذكر وقعة صفين في أثناء تأريخه لحوادث سنة ثلاث وثلاثين وسنة سبع وثلاثين، فكان اهتمامه بتتابع الأحداث يشغله عن الاهتمام بالشعر الذي يرافقها. وبعض الباحثين يشكك بالأشعار المروية في وقعة صفين وهو أمر له ما يسوغه ولا سيما أن كثرتها تلفت النظر حقًا، ولكننا مع ذلك نرجح أن الأشتر قال في وقعة صفين أكثر مما رواه نصر بن مزاحم، إذا لا يفوتنا أن اهتمام نصر كان بالأشعار التي ترتبط بشكل مباشر بالموقف الذي يرويه، ولم تكن غايته جمع الشعر الذي قيل في المعركة. وقد استمرت وقعة صفين طويلًا، وكانت مجالًا رحبًا لقول الشعر، ولاسيما أن الشاعر الأشتر كان قائدًا كبيرًا من قاداتها، وكان من أكثر الناس إيمانًا بعدالتها، وحماسًا لها.

والأرجح أن بعض شعر الأشتر قد ضاع، وربما كانت الخصومات السياسية والمذهبية عاملًا كبيرًا من عوامل ضياعه. فلا ريب في أن معاوية وأنصاره لم ينسوا للأشتر حبه لعلي (ر) وشدته عليهم، وكان من شأن ذلك أن يجعل من رواية شعر الأشتر أو الاهتمام به أمرًا محرجًا، أو أكثر من محرج، ولاسيما بعد أن صار الحكم إلى معاوية. فمن المعروف أن الحكم الأموي اتسم بالعصبية؛ عصبية للعرب ضد العجم والموالي، وعصبية لليمنية على القيسية، وعصبية لبني أمية على بني هاشم ... وكان يزيد بن معاوية أشد الأمويين تعصبا على بني هاشم (89) .ولاريب في أن ذلك كان له أثر في ضياع بعض الشعر الذي قاله أنصار علي، ولاسيما إذا كانوا من الشعراء غير المشهورين. ويكفي، في هذا المقام، أن نشير إلى أن بني أمية كانوا ينهون عن رواية قصيدة قالها كعب بن زهير في مديح علي بن أبي طالب (90) ، فإذا كان هذا شأنهم مع شاعر فحل مشهور، أفلا يحق لنا أن نظن أنهم كانوا وراء ضياع بعض شعر الأشتر الذي لم يكن شاعرا فحلا أو مشهورا، بل كان مقاتلا شديدا ضدّهم؟!. ومن عوامل الضياع أيضًا عدم الدقة - في بعض الأحيان - في نسبة الشعر إلى قائله ولا سيما إذا كان قد قاله في أثناء القتال، ولذلك قد نجد شعرًا ينسب للأشتر ولغيره كما سنجد في الأرجوزة التي يقول فيها:

أضربهم ولا أرى معاوية ... الأخزر العين العظيم الحاوية

ولا يستبعد أن يكون بعض شعر الأشتر قد نسب لغيره بسبب الخصومات التي أشرنا إليها، أوبسبب الطوابع الشعبية التي يحملها شعر الأشتر والتي تجعل من نسبة بعضه إلى أي شاعر كان يقاتل في جيش علي بن أبي طالب أمرا ممكنًا.

ويبقى هناك عامل ثالث هام هو أن المصادر التي تروى شعر الأشتر، ولا سيما وقعة صفين وشرح نهج البلاغة، كانت تروى من الشعر ما يتعلق بالحادثة التاريخية التي تتحدث عنها، ولذلك كانت تكتفي منه بموضع الشاهد في كثير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت