3 -وأخيرًا الفضاء الداخلي الذي يُبرز فيه الخطاب العلاقات بين الأجزاء الداخلية. وبالرغم من أهمية الفضاء الثالث إلا إنني أرى أنه لا يختلف كثيرًا عن الفضاء الثاني بل هو امتداد له. فالمسؤول عن إبراز العلاقات المنعقدة بين الأجزاء الداخلية هو نفسه الذي يقوم بعملية القراءة بحسب قانون جديد ناتج عن التقاء خطابين أو عدة خطابات، إن القارئ وأثناء مسير فهمه للنص يتوجب عليه أن يفك العلاقات المنعقدة بين الأجزاء الداخلية ووفق مرجعيته المعرفية ليتسنى له فهمها وهو بذلك سيصبح لا منتجًا للمعنى فحسب بل للتناص أيضًا وبالنتيجة فأن زمتور لا يبتعد كثيرًا عن رأي ريفاتير في ربطه التناص مع قصد القارئ وتأويلاته وان هو لم يشر إلى مكان التناص من الشعرية، ومع جيرار جينيت يقف التناص في محطة مهمة من محطات تشكله وتعريفه. فهو لم يعد مقتنعًا بمصطلح التناص بل أخذ يبحث عن ما هو أشمل وأوسع لاحتواء العلاقات التي يقيمها النص مع غيره من النصوص. فالنص لا يهمه (( إلا من حيث تعاليه النصي أي أن أعرف كل ما يجعله في علاقة خفيه أم جليه مع غيره من النصوص ) ) [1] .
ويضع ضمن المتعالي النصي علاقات المحاكاة والتغيير والمعارضة والمحاكاة الساخرة ويضع ضمنه أيضًا (( علاقة التداخل التي تقرن النص بمختلف أنماط الخطاب التي ينتمي النص إليها وفي هذا الإطار تدخل الأجناس وتحديداتها ... وهي المتعلقة بالموضوع والصيغة والشكل وغيرها ) ) [2] واصطلح على هذا المجموع بـ (جامع النص) أو (الجامع النصي) فهذه العلاقة التي تقرن التحليل بالنص المحلل هي أيضًا من علاقات التناص وان كان يطلق عليها مصطلح آخر هو (( ما فوق النصية ) ) [3] ، وتنتمي آراء جنيت هذه إلى فتره مبكرة من عمله النقدي حيث ظهرت عام 1979 لكنه في عام 1982 عاد وطور وعمق آرائه في كتابه المسمى طروس أو اطراس حيث يقترح جنيت تحديدًا جديدًا وشاملًا للمجال النظري الذي يمكن أن ينحصر فيه بوضوح الفضاء المميز للتناص وهو مفهوم ما وراء النصية التي يجعل جنيت منها موضوع الشعرية ويحددها متعالية نصية تؤطر كل ما يجعل نصا ما في علاقة ظاهرة أو خفية مع نصوص أخرى [4] ، وهو يقترح تقسيمًا خماسيًا لهذه العلاقة التي يسميها أيضا التعدية النصية [5] .
(2) 1 - مدخل لجامع النص، جيرار جنيت: 91.
(3) 2 - م. ن: 90
(4) 3 - ينظر: نظرية التناص، دوبيازي، تر: المختار حسني، مجلة فكر ونقد، العدد 28.
4 -ينظر: طروس الأدب على الأدب، جيرار جنيت: 134.
5 -ينظر: النص الموزاي، جميل حمداوي، مجلة الكرمل، عدد 88 - 89، صيف وخريف 2006.