ويعد نص الجاحظ المتداول باضطراد حول التصوير دليلًا يوضح مدى وعي الناقد العربي منذ القدم بأهميته الصورة فالشعر عنده (( صناعة وضرب من النسج وجنس من التصوير ) ) [1] ويرى قدامة إن الصورة هي قوام العمل الشعري وهي شكله الذي يصاغ من مادة الشعر وهي المعاني فيقول (( أذا كانت المعاني للشعر بمنزلة المادة الموضوعة والشعر فيها كالصورة كما يوجد في كل صناعة من أن لابد فيها من شيء موضوع يقبل تأثير الصور منها مثل الخشب للنجارة والفضة للصياغة ) ) [2] .
ويبدو عبد القاهر الجرجاني متأثرًا برأي الجاحظ فهو يرى (( إن سبيل الكلام سبيل التصوير والصياغة وان سبيل المعنى الذي يعبر عن سبيل الشيء يقع التصوير والصوغ فيه كالذهب والفضة يصاغ منهما خاتم أو سوار ) ) [3] ، وقد كان لموضوعات البلاغة اثر بالغ في تقييم الصورة وجودتها في مباحث النقد العربي القديم [4] ، حيث كان الوضوح والمباشرة وعدم التوعر والبساطة في التركيب وعدم الإغراب في التشبيهات من أهم ما يميز الصورة الناجحة عند النقاد العرب. وقد بقيت الصورة زمنًا طويلًا حبيسة المفاهيم البلاغية التقليدية فشعرنا
(1) 2 - الحيوان، الجاحظ: 3/ 132.
(2) 3 - نقد الشعر، قدامة بن جعفر، تح: د. محمد عبد المنعم خفاجي، دار الكتب العلمية، بيروت، د. ت: 65.
(3) 4 - دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، تح: محمود محمد شاكر، مطبعة المدني القاهرة، دار المدني جدة، ط 3، 1992: 254.
(4) 5 - ينظر: النقد المنهجي عند العرب، د. محمد مندور، مكتبة نهضة مصر،1948: 381.