ولأجل تحرّي الدّقة في نسبة اللهجات العربية القديمة ينبغي استقصاء كثير من المصادر اللغوية وغير اللغوية، وتتضح أهمية هذا الأمر حين نرى رابين ينسب إلزام المثنّى الألف إلى سفيان بن أرحب من همدان اعتمادًا على الهمداني، مع محاولة تأويل المثال الوارد عنهم ... وهو"رأيت أخواك"... [1] ، ولكن نصّ الهمداني في الإكليل ينسبها إلى همدان وما جاورها، وهذا هو نصّه في الإكليل:"ومن قصور بلد همدان قصر نوفان بن أبتع بخيوان، وفيه يقول فروة بن مسيك المرادي:"
والله لولا معمر وسلمان ... وابنا عرار ووفيا همدان
إذن تواردنا حوالا نوفان ... يحملننا وبيضنا والأبدان
حوالا لغة همدان ومن جاورها تقول:"حلّ قيد بعيراك، وخذ ديناراك"
وفي هذا النص أكثر من فائدة لهجية: أولها ورود أمثلة غير المثال الذي حاول رابين تأويله ... ، وثانيها: التصريح بأن هذه اللغة لهمدان ومن جاورها، وبذلك تبدو أهمية الجوار في التقارب اللهجي ملحوظة حتى عند القدماء.
أمّا ثالث هذه الفوائد، فهي أن قائل البيتين ليس من همدان بل هو من مراد المذحجية، وهي مجاورة لهمدان. [2]
ومن البعد عن الدّقة في تحديد مواضع القبائل العربية ما نجده في الخريطة نفسها من تحديد موضع قبيلة مذحج مكتوبًا في هذه الخريطة باللاتينية وفي بعض الخرائط المنسوخة عنها كالخريطة في ص 115 مكتوبًا باللغة العربية.
(1) انظر: اللهجات العربية الغربية القديمة ـ ص 130، وانظر صفة جزيرة العرب، للهمداني، ص 134.
(2) مازالت بقايا هذه اللهجة تنتشر انتشارًا واسعًا في القبائل البدوية ذات الأصول اليمنية حيث تمتد من اليمن إلى جنوبي نجد، وتكاد أن تنتشر حتى في وسط نجد عند كثير من القبائل البدوية ذات الأصول العدنانية، ويبدو من الأمثلة المتبقية مثل: السلام علاكم، اللالة بمعنى الليلة. .. أنّ هذه اللهجة لا تختص بإلزام المثنى للألف، بل هي نوع من رفع الياء إلى ناحية الألف مع النطق بها ألفًا مفخمة. أي أنها الظاهرة المقابلة للإمالة تمامًا، وقد خفي هذا الأمر عن أغلب الدارسين.