وقد قرأت في هذا الصدد كتاب الدكتور محمود إسماعيل عمار"الأخطاء الشائعة في استعمالات حروف الجرّ"، وهو كتاب طريف في موضوعه، بذل فيه مؤلفه جهدًا يستحق الثناء. وقد قرأته منذ زمن، وسجّلت على حواشيه كثيرًا من الملحوظات، والنصوص التراثية التي تدفع ما يقول به من تخطئة جملة من التعبيرات والأساليب، ثم وجدتني أعود إليه، فأقيد ملحوظات جديدة، وقد رأيت أن أخرج ذلك مخرجًا، يناقش بعض الآراء التي احتج لها المؤلّف في تخطئة بعض الاستخدامات اللغوية، وقد عنيت بآراء مجمع اللغة العربية في القاهرة- إن كانت ممّا يمت بصلة إلى القضايا المطروحة - تلك الآراء المغمورة لدى الكثيرين.
لقد دفع المؤلف إلى عمله هذا ما رآه من توسّع في استخدام حروف الجر، إذ يقول:"وجدت حروف الجر في لغتنا المعاصرة قد جرى التوسع فيها، عما عهدته العربية من استعمالات ومعان وتراكيب، ورأيت الموضوع -كما قال ابن جنّي- جديرًا أن يوضع فيه كتاب ضخم" [1] . ويردف قائلًا:"وقد تتبعت الخَلَل في استعمال حروف الجرّ، في لغتنا المعاصرة، كما يظهر في الكتابة والخطابة والشعر ... وفي ضوء تصنيف هذه الأخطاء، تمثل البحث في ستة فصول" [2] . وينبئ هذا القول بشيئين: أولهما أنّ ثمة خللًا في استخدام حروف الجر، وثانيهما أنّ هذا الخلل مما أحدثه المعاصرون، غير أنّ المسألة تحتاج إلى تمحيص كبير ورويّّة عميقة، فيما يجوز ولا يجوز في هذا الصدد، وهي مرقاة وعرة كما ذكرت قبلًا. وفي هذا البحث أنا مَعْنيّ بأمرين، أولهما وأهمهما استقراء النصوص عند القدماء والمتأخرين وبعض المعاصرين، في محاولة لرصد استخدام هؤلاء للأساليب والتعبيرات موضع
(1) الأخطاء الشائعة في استعمالات حروف الجر:13.
(2) نفسه: 18.