دقة ابن فارس في توجيه الاتهام إلى ابن دريد ما أورده ابن فارس في معالجته مادة (ثحج) فقد ذكر عن ابن دريد أن معنى قولهم: ثحجه برجله إذا ضربه بها هي"كلمة زعم أنها لَمهْرة بن حَيْدان". ويرى ابن فارس في تعقيبه على هذا التعبير ومعناه أن ابن دريد قد أبعد"شاهده ما استطاع". ولكن بمقابلة ذلك بما ورد في الجمهرة يجد الباحث أن ابن دريد قال"لغة مرغوب عنها لمهرة بن حيدان ..." (54)
لقد حاول بعض الدراسين المحدثين أن يؤول موقف ابن فارس من اللغات اليمانية التي رواها عن ابن دريد فذهبوا إلى أن ابن فارس كان لا يعتد باللغة اليمانية أصلًا من الأصول التي يقاس عليها في كلام العرب، ويقصد ابن فارس بكلام العرب العربية الشمالية العدنانية، إذ يُخرج ابن فارس العربية الجنوبية من مقاييسه العربية الصحيحة. (55)
والحقيقة أن ابن فارس لم يكن يرفض كل ما ذكره ابن دريد ونسبه إلى اللغة اليمانية، بل هناك مواد/ أو ألفاظ ذات أصول يمانية ينقلها ابن فارس دون تعليق". (56) "
ويمكن للباحث المتبصر في المواد/ الألفاظ التي جعل فيها ابن فارس شيخه ابن دريد مولدًا لها ومفتعلًا، أنها بالفعل ألفاظ يمانية، وليس لابن دريد من ذنب سوى أنه ينقلها ويرويها ويذكرها في معجمه، وهذا مما يجعل ابن فارس كمن سبقه من اللغويين يتسرع في الحكم على ابن دريد بتوجيه تهمة الافتعال والتوليد لها. وكان ابن فارس-كما مرّ آنفًا- يتشكك في صحتها.
ويكثر اتهام ابن فارس في المقاييس لابن دريد، وتمثّل اتهامه بألفاظ متعددة تؤدي غرضًا واحدًا؛ فقد اتهمه بالتوليد والتدليس وغيرها. ومن أمثلة ذلك أنْ وجّه ابن فارس تهمة توليد الألفاظ إلى ابن دريد كما في مادة (ج غ ب) (57) ، إذ يقول عنها:"... فلا أصل لها في الكلام والذي قاله ابن دريد في الجَغْب إنه ذو الشَّغَب"،