الصفحة 15 من 49

[الكاتب: أبو أيمن الهلالي]

منذ عهد قديم، شكلت فلسطين مركز اهتمام وطمع من طرف الدول الغربية، نظرا لمكانتها الدينية، وموقعها الجغرافي المتميز، إضافة إلى أهميتها العسكرية والاقتصادية، والحروب الصليبية خير مثال على ذلك.

وفي المقابل، كانت شاهدة على وحدة مصير الأمة الإسلامية أمام الاحتلال الأجنبي وخطورته على وجودها الحضاري، وحركة الإمام صلاح الدين الأيوبي الكردي المسلم خير مثال على ذلك.

هذه الأطماع لم تتوقف، ولن تتوقف حتى تتوحد الأمة، وتمتلك كل مقومات القوة - الإيمانية والعسكرية والأمنية والسياسية ... - لإرهاب العدو وردعه، و استراتيجية الجهاد والاستشهاد أحد أهم هذه المقومات.

لذا، فلقد سعت الدول الغربية إلى زرع الجرثومة الصهيونية في قلب الأمة الإسلامية، والتي تعتبر جزءا من مشروعها، ومن الصعب فصل أحدهما عن الآخر من حيث البنية والتوجهات والمصالح، وعلاقة آل صهيون بأمريكا مثال واضح على هذه الحقيقة.

هذا الأمر - الأطماع - جعل نابليون يطلق مشروع إقامة دولة يهودية في فلسطين في أبريل/نيسان/1799، أي قبل ميلاد الحركة الصهيونية، والذي فشل بعد هزيمته في معارك عكا وأبي قير، مما جعله يتجدد مع بريطانيا من خلال تشجيع الهجرة والاستيطان اليهودي في فلسطين، لإقامة هذا الكيان اللقيط الذي ينسجم مع المصالح الاستعمارية البريطانية، ليكون مركزا لسيطرتها على المنطقة ومقدراتها.

ولقد بدأ تنفيذ هذا المشروع من خلال إنشاء قنصليتها في القدس عام 1838 - وهي أول قنصلية غربية - تحت عنوان حماية الأقليات الدينية/اليهودية في فلسطين، كما شجع أكثر احتلال بريطانيا لمصر عام 1882 ثم اندلاع الحرب العالمية الأولى سنة 1914 في التفكير الجدي والتخطيط الاستراتيجي اتجاه فلسطين.

بعد بريطانيا، تحول المشروع الصهيوني إلى الرعاية الأمريكية، وهذا يعني اعتماد آل صهيون في وجودهم على دعم الدول الكبرى المسيطرة والصاعدة، وليس دولة كبيرة بعينها التي قد تضعف أو تسقط في يوم من الأيام.

إزاء هذه الأوضاع عرف العمل من أجل تحرير فلسطين اختلافا كبيرا في مراحله التاريخية، والتي كانت محكومة دائما بالمعادلة السياسية العالمية، وموازين القوى القائمة.

إلى أن وصل إلى مرحلة التوازن الاستراتيجي والسياسي مع انتفاضة الأقصى وغزوة نيويورك المباركة، بحيث بدأت الأمة تفيق من الغيبوبة التي كانت تعيشها، و أخذت زمام المبادرة قاطعة بذلك الطريق على العملاء والمرتزقة من حكام وعلماء ومثقفين وسياسيين ... على أمل أن تعمم إنشاء الله في سائر البلدان الإسلامية.

وعليه، تبخر ما يمكن أن نصطلح عليه ب"الدجل السياسي"الذي كان يمارسه العدو بمساعدة عملائه، بسبب العمليات الجهادية والاستشهادية التي أصابت العدو الصهيوني والأمريكي في مواقع ضعفه، والتي لم تكن تدور في خلده، حيث بدأ يتوعد كعادته، ظانا أنه بهذا الأسلوب سيرعب الأمة المجاهدة، وفي نفس الوقت يبكي ويستنجد، مستخدما كل ما يملك لإيقاف نزيفه الإقتصادي والسياسي والعسكري والأمني، بدءا بالعميل العربي - الحاكم - ووصولا إلى الشخصيات الفلسطينية المشبوهة، ومن ضمنها حنان العشراوي؛ عضو المجلس التشريعي، وسري نسيبة؛ مسؤول ملف القدس، وصالح رأفت؛ الأمين العام لحزب فدا الفلسطيني، والتي ترتبط بشكل أو بآخر بالمصالح الغربية والصهيونية، التي دعت يوم الأربعاء 19/ 6/2002 إلى وقف العمليات الاستشهادية، لأنها في نظرهم تعطي المبررات للعدو في شن حربه العدوانية، وأن هذه العمليات ليست سوى تكريس للبغض والحقد بين الشعبين وتعميق الهوة.

سعيا منا في توعية الأمة، وتنويرها لفهم ما يجري حولها، وتحذيرها في نفس الوقت من الدعوات المشبوهة - التطبيعية - التي كانت وما زالت تشكل العقبة الرئيسية في مشروع تحرير فلسطين وسائر البلاد الإسلامية، نلقي الضوء على بعض القضايا التي ستساهم بإذن الله في دحض شبهات"مدرسة الدجل السياسي"، والتي ...

أولا؛ لماذا التركيز عل فلسطين:

إن تركيز الأعداء على فلسطين كان من أجل الأهداف التالية:

إيجاد حالة من التفكك والانقسام في المنطقة العربية والإسلامية.

إنشاء دويلات مصطنعة تابعة لتلك الدول الاستعمارية وخاضعة لها.

محاربة أي نوع من أنواع الوحدة الفكرية أو السياسية أو الروحية أو التاريخية.

إيجاد حليف استراتيجي للغرب.

استغلال خيرات الأمة و السيطرة عليها ...

ثانيا؛ استراتيجية العدو القديمة/الجديدة:

لكي لا ننخدع بالعدو وبالدعوات المشبوهة التي يطلقها بعض من بني جلدتنا، يجب أن ندرك جيدا فكر العدو السياسي واستراتيجيته، والذي سيساعدنا في فهم خطط شارون وغيره من الصهاينة، الذين يشكلون امتدادا للحركة الصهيونية العالمية.

لذا فإن القضية الجوهرية عند الكيان الصهيوني، والهاجس الوحيد الذي سيطر عليه في بداية تشكله، وما زال يسيطر عليه، هو التواجد الفعلي والقوي في فلسطين المحتلة، أي بمعنى يجب أن يشكل الأكثرية وأن يحصلوا على معظم الأراضي، وهذا ما جعل استراتيجية الاستيطان وإقامة المستوطنات لا تتوقف، ولن تتوقف إلا بالعمليات الجهادية والاستشهادية وليس بالمفاوضات كما يدعي المطبعون، إضافة إلى هدم البيوت الفلسطينية تارة بحجة العمليات وتارة بحجة أنها غير مرخصة من طرفه ... وأيضا استحالة عودة اللاجئين بالمفاوضات.

ويمكن ملامسة هذه الحقائق وغيرها من خلال أقوال وتصريحات الأعداء، والتي ...

أكد"هرتزل"في يومياته: (يجب أن نستخلص ملكية الأرض التي ستعطى لنا، ولكن باللطف والتدريج، وسنحاول أن نشجع فقراء السكان على النزوح إلى البلدان المجاورة، وذلك بتأمين أشغال لهم هناك، ورفض إعطائهم أي عمل في بلادنا) .

وهذا يعني أن جوهر المشروع الصهيوني يرتكز على الاستيلاء على الأرض من أهلها وإعطائها للمهاجرين اليهود، وتهجير الفلسطينيين من أراضيهم.

يقول"حاييم وايزمن" [الحركة الصهيونية] : (أنه لا يمكن إنشاء الوطن القومي بدون أرض ورجال) .

وهذا يعني توفير مقومات الوطن من أرض - الاستيلاء على الأرض وبناء المستوطنات - ورجال - تشجيع الهجرة - ومقتضياته - قتل الفلسطينيين وتهجيرهم ... -

قال"بن غوريون": (إذا لم نوسع مساحة استيطاننا فإن جهودنا السياسية مع بريطانيا - بغض النظر مدى تأثيرها - سوف تقودنا إلى لا شيء إن خلق الأمر الواقع هو القوة السياسية الأكثر تأثيرا) .

وهذا يعني أن الهدف السياسي يتمثل في إيجاد واقع عملي على الأرض.

أكد"لويد جورج"- رئيس وزراء بريطانيا - عندما صدر تصريح بلفور: (أن فكرة تقييد الهجرة اليهودية لم تخطر على بال أي من أولئك الذين اشتركوا في رسم السياسية، لأن ذلك يعد ظلما وغدرا للشعب الذي لجأنا إليه) .

وهذا يعني تقاطع المصالح بين بريطانيا وآل صهيون، ونفس الأمر يحصل الآن مع أمريكا، ويمكن ملامسة ذلك في تصريحات بوش الأخيرة بشأن شارون - رجل سلام - والكيان الصهيوني - حقه في الأمن - والهجمات الصهيونية على الأبرياء - الدفاع عن النفس - والسلطة الفلسطينية - الحارس للصهاينة - الأعمال الجهادية - إرهاب - ...

ثالثا؛ بعض نتائج أسلو/الخيانة:

يمكن تكثيفها في النقاط التالية:

إعطاء المشروعية للمحتل الصهيوني في إقامة دولته على أرض فلسطين، وحقه في العيش بأمن وسلام.

التخلي عن التسمية التاريخية لفلسطين، وتقزيمها في بلدية عرفات.

التخلي عن خيار المقاومة واعتباره إرهابا.

تحويل كل مقاوم إلى إرهابي، مما يستوجب على السلطة نهج سياسة القضاء عليه، سواء بالقتل أو الاعتقال ...

تعديل الميثاق الوطني وخاصة القضايا التي تتعلق بالمقاومة ضد الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية.

التخلي عن حكم الدولة رغم إصرار العميل عرفات على أن ما جرى هو خطوة نحو إعلان تلك الدولة الوهمية.

المرجعية في القضية الفلسطينية وهي المفاوضات والاتفاقات المبرمة من العدو الصهيوني، وهذا يعني عمليا حرمان العميل عرفات من الالتجاء إلى القانون الدولي لأنه تم استبداله باتفاق أسلو/الخيانة.

تصفية قضية اللاجئين.

تحويل بلدية عرفات إلى حارس أمين للكيان الصهيوني.

معانقة العدو وإطلاق النار على المقاومين.

رابعا؛ سياسة السلطة:

خوفا من اكتشاف حقيقتها من طرف المخلصين من حركة فتح، وأيضا من الشعب الفلسطيني المجاهد قاهر آل صهيون، ومحاولة منها لاستيعاب الشارع الذي صدم بنتائج أسلو/الخيانة، ومساهمة منها في التمويه، وتلبيس الحقائق على المخلصين، الذي يؤدي إلى الارتباك في تحديد الموقف السليم والصحيح اتجاهها، اتبعت السلطة سياسة متناقضة ترتكز على محورين:

الترويج لسلام الشجعان وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس.

رفض الاحتلال والإصرار على خيار الانتفاضة والمقاومة، وهدا ما جعلها تنخرط في الانتفاضة، لتستوعبها فتجعل منها ورقة سياسية ترتزق بها، أما الحقيقة التي لا تحتاج إلى بيان والإنسان البسيط يدركها بحكم الواقع والتجربة، وهي أن السلطة الفلسطينية باعت فلسطين وشعب فلسطين مقابل مصالح ذاتية صرفة، وهذا ما ساهم الإرهاب الصهيوني في تجليته أثناء اجتياحه لمناطق الحكم الذاتي، وقتله وتشريده للأبرياء وإرغام العميل عرفات على مباركة أعماله الإجرامية واعتقال المقاومين والتعاون معه في إبعاد الآخرين.

خامسا؛ شبهات المطبعين:

دعت شخصيات فلسطينية بارزة - من ضمنهم العشراوي - إلى وقف العمليات العسكرية التي تستهدف المدنيين لأنها تزيد من أعداء السلام وتعطي المبررات للاستمرار في شن الحرب العدوانية الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني، كما دعت الذين يقفون وراءها إلى مراجعة حساباتهم.

بداية نقرر حقيقة يعرفها الكل وهي أن الشعب الصهيوني في حالة تجنيد مستمرة، أي جيش الصهيوني جيش شعبي، إضافة إلى أنه محتل لأرض فلسطين.

وحتى إذا سلمنا جدلا بوجود أبرياء غرر بهم داخل الكيان الصهيوني، فإننا ندعوهم إلى مغادرة فلسطين فورا، لأن بقائهم يعني إصرارهم على الاحتلال.

وأما أن العمليات تعطي المبرر للكيان الصهيوني بمواصلة عدوانه على الشعب، والاستيلاء على الأرض، إضافة إلى هدم المنازل وقطع الأشجار ... فكلام غير صحيح وغير واقعي وينم عن جهل كبير بحقيقة الدور الصهيوني أو عمالة له، لأن السؤال المطروح؛ متى توقف العدو الصهيوني عن قتله للأبرياء وإقامة المستوطنات وتهجير السكان؟! أليس وجوده في أرض فلسطين دليل على هذه الحقيقة؟!

إن الحقيقة التي يجب أن يعلمها الكل، وهي؛ أن الهجرة والإستيطان تشكل المحور الرئيسي للحركة الصهيونية، لأنها تدفع بالتوسع لاستيعاب المزيد من المهاجرين وزرعهم في فلسطين، أي أن آل صهيون لن يتوقف عن بناء المستوطنات وقتل الشعب الفلسطيني تحت أي ذريعة، لأن هذا الأخير يشكل معوق كبير لمشروعه التوسعي.

إضافة إلى أن الحركة الصهيونية تعتبر الهجرة بالنسبة لليهود مسألة مقدسة ولها بعد ديني في حياة اليهود، وهذا المفهوم يأخذ بها حتى داخل الحركات العلمانية الصهيونية.

والدليل هو ما صرح به أول رئيس وزراء آل صهيون"ديفيد بن غوريون"- علماني - حيث يقول: (إن اليهود الذين يعيشون خارج الكيان الصهيوني - إسرائيل في الاصطلاح السياسي - كفار، ويعرضون كل يوم لنقض الفرائض الدينية) .

أما أن هذه العمليات تزيد من أعداء السلام، فهذا جهل كبير - أو عمالة - بكيفية نشوء هذا الكيان، بحيث نجد معظم الدول الغربية ساهمت في إقامته بما فيه الأمم المتحدة، لأن أداتهم الرئيسية في المنطقة.

وبالمناسبة نقول لمدرسة السلام - الخيانة -؛ أين كنتم، وأين أنتم الآن من القتل العشوائي الذي يمارس ضد الشعب الأعزل؟

ونقول لهم؛ إن العمليات الجهادية والاستشهادية هي التي ردت بعض الاعتبار لهذه الأمة، وأما كل الاعتبار سيحصل عندما تنخرط كل الشعوب في المعركة، وهي وسام شرف يفتخر بها كل حر، لأنها هي وحدها سترغم قطعان المستوطننين على مغادرة فلسطين بإذن الله سبحانه وتعالى، ونقول أيضا للأمة الإسلامية بأسرها بأن تعد العدة وتجند نفسها لمطاردة الصهاينة أينما تواجدوا، طبعا مع حلفائهم من الأمريكيين وعملائهم.

سادسا؛ المراهنة على خطة بوش:

إن بوش - أمريكا - يرتبط مصيريا بالكيان الصهيوني، وأن العلاقة بينهما استراتيجية، لذا من غير المعقول أن يلتجأ إليه، أو يراهن عليه، لأنه وبكل بساطة عدو للشعب الفلسطيني.

وحتى إذا سلمنا بوجود خطة لبوش الغبي حول ما يصطلح عليه بالسلام - الاستسلام - فإنها ستصب في المصلحة الصهيونية، لأن عنوانها الرئيسي والمحور الذي ستدور عليه يكمن في حماية الكيان الصهيوني لا أقل ولا أكثر، ولا علاقة لها بمصلحة الشعب الفلسطيني، وستدفع الطرف الضعيف - العميل - إلى التسليم بالوضع القائم مرحليا حتى تتهيأ الأجواء المناسبة ليواصل العدو الصهيوني استيلائه على الأرض، وقتل ما تبقى من الشعب المجاهد.

أي بعبارة أخرى؛ إذا تم الاتفاق على الهدنة، فإنها ستكون بمثابة"استراحة المحارب"بالنسبة للصهاينة، لترتيب أوضاعهم العسكرية والأمنية، وفرصة لترويض الشعب الفلسطيني وتركيعه، وإزالة العقبة الرئيسية والمتمثلة في المقاومين الأحرار.

وختاما ...

ندعو الأمة إلى أخذ الحذر والحيطة من الدعوات الملغومة التي يطلقها من حين إلى آخر بعض المطبعين، وعليها ألا تسقط خيار الجهاد والمقاومة، وعلى وجه الخصوص سلاحها الفتاك الذي يدخل الرعب في قلب العدو بمجرد ذكره أو سماعه - وتكفي شهادة المستوطننين - أي العمليات الجهادية والاستشهادية، لأنها الموت بعينه بالنسبة لأعدائنا.

كما ندعوها إلى الضرب، وبأيادي من حديد؛ كل من تسول له نفسه بتسويق البضاعة الصهيونية، وأن تستمر في جهادها حتى النصر أو الشهادة - إن شاء الله -

بقلم؛ أبي أيمن الهلالي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت