فهرس الكتاب
وكان بعض الطلاب من زملاء شيخنا بالمعهد يتعجبون منه، وكيف يستطيع أن يحفظ يوميًا صفحة من القرآن إضافة إلى دراسة المعهد المكثفة، بالإضافة لعمله أيضًا ثلاث ساعات بعد الظهر للتكسب، حيث كان الشيخ يعمل بكي الملابس في محل أخيه الشقيق، كي ينفق على نفسه ولا يحتاج لأحد.
وسر ذلك في اجتهاد الشيخ في المحافظة على وقته قدر استطاعته، فكان يجتهد ألا يضيعه أبدًا، فمثلًا ألفية بن مالك تحتاج إلى وقت كي تُحفظ، فكان الشيخ يكتبها على ورقة تكون معه، فإذا خرج يحفظ منها وهو في طريقه، وأثناء المواصلات، بل وأثناء الطعام أحيانًا، وهكذا، ومثل ذلك مع القرآن والحديث والمتون العلمية المختلفة كألفية السيوطي وغيرها.
إضافة إلى ذلك فقد كان الشيخ حفظه الله يشتغل بعلم الحديث، قراءة ومطالعة وتلخيصًا لبعض الكتب، ومن ذلك تلخيصه لكتاب"الموضوعات"للإمام أبي الفرج ابن الجوزي رحمه الله.
وقد وقف الشيخ حفظه الله بعد تخرجه من المعهد على كتاب"اللآليء المصنوعة"للإمام السيوطي، فوجده يتعقب ابن الجوزي ويرد عليه ويخطؤه، فأحضر كتاب السيوطي وقابله مع كتاب وأقوال ابن الجوزي، وقارن بينهما، ثم قام بالترجيح، ثم اقتنى كتاب"تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة"لابن عراق الكناني، فوجده قد تعقب الاثنين معًا، فتارة يوافق ابن الجوزي في الحكم على الأحاديث بالوضع، وتارة يوافق السيوطي، فقارن شيخنا وقابل بين الكتب الثلاثة، وصار إلى خلاصة ترجحت لديه، فترسخ عنده حفظ كم هائل من الأحاديث الموضوعة والواهية [1] ، واجتمع عنده ثمانية دفاتر من هذا التلخيص بخط يده، ولازالت موجودة إلى الآن في مكتبته بدمشق، لكنه علم أن المخابرات النصيرية قد أحرقت نصفها - نسأل الله أن يحرق عليهم دنياهم وآخرتهم -، وقد
(1) وقد أخبرني الشيخ أنه استخرج من هذه المقارنة ما يقارب مائة وخمسين حديثًا لم يتبين وضعها، بل بعضها في مرتبة الأحاديث الحسان، وحديث واحد في صحيح مسلم، لكنه ليس من طريق مسلم، وإنما أخذه ابن الجوزي من كتاب"الضعفاء والمجروحين"لابن حبان، فأورده من طريق مخالف لما أورده مسلم في صحيحه.