ولقد قبل الفقهاء إمامة المتغلب اتقاء للفتنة وخشية الفرقة، ولكنها أدت إلى أشد الفتن وإلى تفريق الجماعة الإسلامية وإضعاف المسلمين وهدم قواعد الإسلام، ولو علم الفقهاء الذين أجازوا ما سوف تؤدي إليه لما أجازوها لحظة واحدة [1] .
فالمتغلب الذي يطلب السلطان على الأمة من غير طريق الشورى إنما هو رجل لا يؤمن بقوله تعالى:"وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ"، ومن كان لا يؤمن بقول الله فليس أهلًا لولاية أمر المسلمين، فما يقوم أمر المسلمين إلا على إقامة أمر الله، والمتغلب الذي تسلط على المسلمين بما ينافي أمر الله ليرضي أهواء نفسه لن يتأخر عن إرضاء نفسه في كل وقت وعلى حساب أمر الله كلما نازعه إلى ذلك هواه.
إن المسلمين رضوا بولاية العهد، وبإمامة المتغلب، وبالسكوت على الأئمة الظلمة والفسقة، وكان رضاؤهم يرجع إلى الخشية من
(1) ) يقول الشيخ محمد رشيد رضا _رحمه الله_:"َمَا أفسد على هَذِه الْأمة أمرهَا، وأضاع عَلَيْهَا ملكهَا إِلَّا جعل طَاعَة هَؤُلَاءِ الجبارين الباغين وَاجِبَة شرعا على الْإِطْلَاق، وَجعل التغلب أمرا شَرْعِيًّا كمبايعة أهل الِاخْتِيَار من أولي الْأَمر، وَأهل الْحل وَالْعقد للْإِمَام الْحق ..." (الخلافة)