واحتج من منع ذلك بحديث رويناه من طريق أفلت بن خليفة عن جسرة بنت دجاجة عن عائشة أن رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-قال لأصحابه: (وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب) .
وآخر رويناه من طريق ابن أبي غنية عن أبي الخطاب الهجري عن محدوج الهذلي عن جسرة بنت دجاجة حدثتني أم سلمة: (أن رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-دعى بأعلى صوته ألا إن هذا المسجد لا يحل لجنب ولا حائض إلا للنبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وأزواجه وعلي وفاطمة) .
قال علي-رحمه الله تعالى-: فهذه امرأة ساكنة في مسجد النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-والمعهود من النساء الحيض فما منعها-عليه الصلاة السلام-من ذلك ولا نهى عنه، وكل ما لم ينه عليه الصلاة والسلام عنه فمباح وقد ذكرنا عن رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-قوله: (جعلت لي الأرض مسجدًا) .
ولا خلاف في أن الحائض والجنب مباح لهما جميع الأرض؛ وهي مسجد، فلا يجوز أن يخص بالمنع من بعض المساجد دون بعض؛ ولو كان دخول المسجد لا يجوز للحائض لأخبر بذلك-عليه الصلاة والسلام-عائشة-رضي الله عنه-إذ حاضت فلم ينهها إلا عن الطواف بالبيت فقط؛ ومن الباطل المتيقن أن يكون لا يحل لها دخول المسجد فلا ينهاها-عليه الصلاة والسلام-عن ذلك ويقتصر على منعها من الطواف، وهذا قول المزني وداود وغيرهما وبالله التوفيق.
وقال الشوكاني-رحمه الله-كما في: (نيل الأوطار) (1/ 230) : وقد ذهب إلى جواز دخول الحائض المسجد وأنها لا تمنع إلا لمخافة ما يكون منها زيد بن ثابت وحكاه الخطابي عن مالك، والشافعي، وأحمد وأهل الظاهر، ومنع من دخولها سفيان وأصحاب الرأي وهو المشهور من مذهب مالك.
قلت: وبعد إمعان النظر يتبين أنه ليس هناك دليل صحيح يمنع الحائض من دخول المسجد وعلى ذلك فيجوز لها أن تدخل المسجد. وبالله التوفيق).