فهرس الكتاب
وقال الإمام أحمد-رحمه الله تعالى-: (كانت أقفيتُنا-أصحابَ الحديث في أيدي أصحاب أبي حنيفة، ما تُنزَعُ، حتى رأينا الشافعي) .
وقال الحميدي-رحمه الله تعالى-: (كنا نريد أن نَرُدَّ على أصحاب الرأي، فلم نُحْسِنْ كيفَ نَرُدُّ عليهم، حتى جاءنا الشافعيُّ، ففتَحَ لنا) [1] .
فالإمام أحمد-رحمه الله تعالى-في هذا الوفاء مع شيخه [2] ينطبق عليه قول-شيخه-الشافعي-رحمه الله تعالى: (الحر من راعى ودادَ لحظةٍ، وانتمى لمن أفاده لفظةً) .
وتُروى هذه الكلمة بلفظ: (الحر من راعى وداد لحظة، أو: تمسك بمن أفاده لفظة) .
وسبب هذه المقولة-فيما زعم بعضهم-: أنه كان رجل إذا قدم على الإمام الشافعي-رحمه الله تعالى-يَقُومُ إلَيهِ-مُرَحِّبًا-وهناك فرق بين أن يقوم إليه، ويقوم له-فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِك: فَقَالَ: (أَنَا سَمِعْت مِنْهُ، أَنَّ الْكَلْبَ إذَا بَلَغَ يَرْفَعُ رِجْلَهُ عِنْدَ الْبَوْلِ، وَأَنَّ الْحُرَّ مَنْ رَاعَى وِدَادَ لَحْظَةٍ، وَانْتَمَى لِمَنْ أَفَادَه لَفْظَةً) [3] .
وهذا كما قال أمير المؤمنين في الحديث شعبة بن الحجاج-رحمه الله تعالى: (كل من سمعت منه حدثنا فأنا له عبد) ؟
س: قد يقول قائل: كلام الإمام شعبة فيه إشكال وغرابة عند قوله: (فأنا له عبد) مع أن العبودية لله؟ ج: العبودية أنواع-ليس هذا محل تبيينها وتوضيحها-ولكن الإمام شعبة أراد عبودية النفع والخدمة، يخدم شيخه الذي علمه أحاديث النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-كما يخدم العبدُ سيده.
قال بعض الحكماء رحمه الله تعالى-: (من لم يحتمل ذل التعليم ساعة بقي في ذم الجهل أبدًا) [4] .
والذي بيَّن ورفع هذا الإشكال وتلك الغرابة المزعومة هو شعبة نفسه-وغريب الحديث يفسره غريب آخر-حين قال:
(1) -انظر: (فهم كلام أهل العلم نحو ضوابط منهجية) (ص:59) للدكتور الشريف حاتم بن عارف العوني.
(2) -ومن أروع ما وقفت عليه في دقائق أدب الإمام أحمد مع شيخه الشافعي: أنه كان إذا افتتح الدرس مع طلبته ثم يُخبر بقدوم شيخه الشافعي يقطع الدرس ويخرج إليه يقود دابته.
(3) -يذكِّرني هذا الملحظ الدقيق بقول الإمام البقاعي (ت:885 هـ) ، في: (النكت الوفية) (1/ 152) ، وعنه الدكتور الشريف حاتم بن عارف العوني في: (فهم كلام أهل العلم نحو ضوابط منهجية) (ص:57) : (وهذا نظرٌ بديع! فما أَحسنَ فهمَ الأشياء بحسب الإيماء إلى المقاصد) .
(4) -انظر: (آداب الدين والدنيا) (ص:75) .