فهرس الكتاب
واستدلّوا بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) (سورة البقرة، رقم الآية:183) ، إلى قوله: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ) (سورة البقرة، رقم الآية:185) ، فقد دلّت الآيات على أنَّ الصَّوم عزيمة والإفطارَ رخصة، ولا شكَّ في أنَّ العزيمة أفضل، كما تقرَّر في الأصول.
قال ابن رشد: (ما كان رخصةً، فالأفضل ترك الرّخصة) .
واستدلّوا أيضًا بحديث أبي الدّرداء قال: (خرجنا مع رسول اللّه-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-في شهر رمضان، في حرّ شديد ... ما فينا صائم إلاّ رسول اللّه-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-وعبد اللّه بن رواحة)
وذهب الحنابلة إلى أنّ الفطر في السّفر أفضل، قال الخِرَقِيّ: (والمسافر يستحبّ له الفطر) .
وقال المرداويّ: (وهذا هو المذهب) .
وفي: (الإقناع) : (والمسافر سَفَرَ قَصْرٍ يُسَنّ له الفطر، ويكره صومه، ولو لم يجد مشقّةً، وعليه الأصحاب، ونصّ عليه، سواء وجد مشقّةً، أو: لا، وهذا مذهب ابن عمر، وابن عبّاس-رضي الله تعالى عنهما-وسعيد والشّعبيّ، والأوزاعيّ.
واستدلّ هؤلاء بحديث جابر-رضي الله تعالى عنه-: (ليس من البرّ الصّوم في السّفر) ، وزاد في رواية: (عليكم برخصة اللّه الّذي رخّص لكم فاقبلوها) .
قال النّوويّ، والكمال بن الهمام: (إنّ الأحاديث الّتي تدلّ على أفضليّة الفطر، محمولة على من يتضرّر بالصّوم، وفي بعضها التّصريح بذلك، ولا بدّ من هذا التّأويل، ليجمع بين الأحاديث، وذلك أولى من إهمال بعضها، أو ادّعاء النّسخ، من غير دليلٍ قاطع) .
والّذين سوّوا بين الصّوم وبين الفطر، استدلّوا بحديث عائشة-رضي الله تعالى عنها-: أنّ حمزة بن عمرو الأسلميّ-رضي الله تعالى عنه-قال للنّبيّ-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-: (أأصوم في السّفر؟ -وكان كثير الصّيام-فقال:"إن شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ") (متفق عليه) .