فهرس الكتاب
ويرعدون ويزبدون، ولكن أقول لهم ولغيرهم: (هذا هو القول الفصل في المسألة-إن شاء الله-ومن لغا فلا جمعة له) [1] . ولا أنسى-في هذه العجالة- أن أذكر ترجمة البوصيري صاحب (البردة) . قال الشيخ عبد العزيز آل عبد اللطيف: والشرف البوصيري يسمى: محمد ابن سعيد البوصيري نسبة إلى بلدته أبو صير بين الفيوم وبني سويف بمصر، ولد سنة: (608 هـ) . واشتغل بالتصوف، وعمل كاتبًا مع قلة معرفته بصناعة الكتابة، ويظهر من ترجمته وأشعاره أن الناظم لم يكن عالمًا فقيهًا، كما لم يكن عابدًا صالحًا؛ حيث كان ممقوتًا عند أهل زمانه لإطلاق لسانه في الناس بكل قبيح، كما أنه كثير السؤال للناس، ولذا كان يقف مع ذوي السلطان مؤيدًا لهم سواء كانوا على الحق أم على الباطل. ونافح البوصيري عن الطريقة الشاذلية التي التزم بها، فأنشد أشعارًا في الالتزام بآدابها [2] ، كما كانت له أشعار بذيئة يشكو من حال زوجه التي يعجز عن إشباع شهوتها! توفي سنة (695 هـ) [3] .
(1) - انظر: (رونق القرطاس، ومجلب الإيناس) (1/ 139) . لفضيلة شيخنا محمد بوخبزة. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والداعي إلى البدعة مستحق العقوبة باتفاق المسلمين، وعقوبته تكون تارة بالقتل، وتارة بما دونه ... ولو قدر أنه لا يستحق العقوبة أو لا يمكن عقوبته فلا بد من بيان بدعته والتحذير منها، فإن هذا من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أمر الله به ورسوله. وقال في موضع آخر: ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة، أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة، فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف فإنما لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين. هذا أفضل. فبيَّن أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله، إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين؛ ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين؛ وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب، فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعًا؛ وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداء) . انظر: (مجموع الفتاوى) (28/ 232/-35/ 414) . وله كلام آخر نفيس، له علاقة بالموضوع في (12/ 467/468) . وقال في (4/ 13) : (فالراد على أهل البدع مجاهد) . وصدق من قال: (وكما أنه يوضع في زماننا أماكن للحجر الصحي لمن بهم أمراض معدية، فإن أهل البدع والأهواء الداعين إلى باطلهم أولى بالحجر من أولئك؛ لأن هؤلاء يمرضون القلوب ويفسدون الأديان وأولئك يفسدون الأجسام ويمرضون الأبدان) .
(2) - الأمة ابتليت بأناس من جلدتها ويتكلمون بألستنها دعاة على أبواب جهنم، تبوءوا منصب الصدارة وأصبحوا قدوة الأجيال، لهذا وجب على أهل العلم الشرعي وضع هذه الشخصيات والعيِّنَات تحت المجهر العلمي الصحيح الدقيق ليتضح زيفها وزغل علمها، ومن تلك الشخصيات البوصيري، والرجل خدع كثيرًا من الناس وانخدعوا به، وهو من المناوئين لدعوة الأنبياء الصحيحة، ويحامي على مظاهر الشرك من دعاء الأموات والتمسح بقبورهم، والنذر والذبح لهم، والتوسل والاستغاثة والاستعانة بهم، رجاء أن يكشفوا له ما نزل به من ضر، ويأخذوا بيده. (ونعوذ بالله من الحور بعد الكور) .
(3) -قال محقق (ديوان البوصيري) (ص:284) : (وأظن وفاته كانت في سنة ست وتسعين، أو سبع وتسعين وستمائة) . وللتوسع في ترجمته انظر: (مقدمة ديوان البوصيري) (ص:5/ 44) . تحقيق محمد سيد كيلاني، وللمحقق هذا كتاب بعنوان: (البوصيري دراسة ونقد) ، و (قوادح عقدية في بردة البوصيري) (ص:192) . وقد سألت فضيلة شيخنا العلامة محمد بوخبزة عن ترجمة البوصيري فكتب إليَّ قائلًا: (هو العلامة الأديب الشاعر المفلق الكاتب أبو عبد الله محمد بن سعيد بن حماد الصنهاجي المغربي الأصل البوصيري المولد والمنشأ صاحب القصائد المطولة في المديح النبوي اشتهر منها الهمزية والبردة، واشتغل الناس بهما وغلوا في أمرهما إلى أن خرجوا إلى الأساطير والمزاعم، ووضعوا خواص لأبياتهما، وقد ذكر مترجموه أنه أنشأ البردة لما أصيب بشلل نصفي وأنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأنشده قصيدته وتوسل بها واستغاث فأمرَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - يده على نصفه فشفي وقام. وزاد بعضهم أنه كساه بردة كان الناس يستشفون بها من الرمد. وكان يرتزق بشعره فيمدح ويهجو، فقَلاه الناس لذلك. ولد عام(608) . وتوفي بالمارسان المنصوري في القاهرة عام (696 هـ 1296 م) . (الأعلام) للزركلي (6/ 31) . وقد سمعت فضيلة شيخنا محمد بوخبزة في (مسجد جمعية الإمام أبي القاسم الشاطبي) . في درس التفسير يقول عن البوصيري: (كان شاعرًا فحلًا لا يُشَقُّ له غبار، فارس من فرسان البلاغة، كان شاعرًا مصقعًا رغم أنه مبتدع) . -وقال فضيلة شيخنا محمد بوخبزة في (سقيط اللآل، وأنس الليال) (ص 118) : (وكان يرتزق بشعره) .- ومرة قال: (البوصيري على فضله وتوسعه في الشعر لم يكن على كبير علم، علاوة على أنه مبتدع غلا غلوًا قبيحًا في بعض أبيات البردة) . وقال فضيلته في رسالة أرسلها إلي بين فيها قوادح الهمزية: (للشرف البوصيري الشاعر المفلق الشهير له ديوان شعر مطبوع يشتمل على قصائد في المديح النبوي ... انتقاد السمة الغالبة على أشعاره ولاسيما البردة، وهو الغلو الفاضح، والإطراء القادح، المفضي أحيانًا إلى الشرك الواضح) . (ص:1) . وبعده وقفت على ترجمته في (الجديد في تراجم الشعراء والأدباء، القدماء والمعاصرين) (ص:44) . لإبراهيم شمس الدين. وفي كتاب: (البوصيري مادح الرسول الأعظم - صلى الله عليه وسلم -) . قال عبد العال الحمامصي: (أما ما أشيع حول(البردة) وما نُسج حولها، من ذلك أنه كان مصابًا بالفالِج، وأنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في منامه وأنشدها على حَضْرته فشُفي من مرضه. وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خلع عليه بردته، وأنه أكمل له بعضَ أبياتها. ونحن نستبعد أن يكون البوصيري نفسُه قد قال هذا. اعتمادًا على أن واقعة إصابته بالفالج لا سَند لها من الواقع ويقول لنا الأستاذ محمد سيد كيلاني الذي حقق ديوان البوصيري: إن واقعة إصابته بالشلل غير صحيحة. وأنه كان مصابًا بكسرٍ في عظام ساقه استنادًا إلى قوله:
ما ضَرَّكم جَبْرُ الكسير وحَسْبُهُ * ما يلتقي في الجَبْر من آلام
ويستشهد لنا الكاتب ببيت آخر يبطل به دعوى إصابته بالفالج، وهو من الأبيات التي يشكو فيه من امرأته الولود:
أو هذه الأولادُ جاءت كلُّها * من فعل شيخ ليس بالقَوَّامِ
فهو يؤكد بأنه مع وجود هذه العلة-عِلَّة الكسر-كان يأتي زوجته وينجب منها. فهل يستطيع هذا رجل أبطل الفالج نصفه كما قيل؟ إذن فكل ما أشيع عن البردة فمن نسج الخيال. الذي أذكاه الواقع الصوفي المتأجِّج في عصره، وهذا ينسحب على ما قيل بأن النبي قد أكمل له بعضَ أبياتها عند ما تلَجْلَج لسانه-وغاب عنهم قوله تعالى: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له) ، (والشعراء يتبعهم الغاوون) . والعجب من قوم لم يتورعوا عن الكذب على رسول الله-وما قيل كذلك عن الفقير-والفقير صفة كانت تطلق على الرجل الصوفي في هذا العصر-الذي قابله بعد نظمها وطلب منه أن يعطيه الشعر الذي كتبه مدحًا في رسول الله. وزعم هذا الفقير بأنه رأى رسول الله في المنام، والبردة تنشد عليه وهو يتمايل لوقعها. كل ذلك نسجته مغازل الأساطير، وكان العصر يحتمل هذا. وإن كثيرًا من رجال الصوفية كانوا يزعمون أنهم رأوا النبيَّ جهرةً، في المنام!! -وقال محمد كيلاني: والملاحظ أن عصر البوصيري كان يزخر بالخرافات. وكان الصوفية أجمعون يدعون أنهم يرون النبي يقظة ومنامًا، ويخاطبونه ويخاطبهم). انتهى من كتاب: (البوصيري مادح الرسول الأعظم - صلى الله عليه وسلم -) . (ص:28/ 29) . وكتابي: (البردة في الميزان) (ص:10)