فهرس الكتاب
أما الحرام فالممات دونه * والحل لا حل فأستبينه
فكيف بالأمر الذي تبغينه * يحمي الكريم عرضه ودينه
قالوا: فهذا التصريح منه أنه لا يحل ذلك، وأنه يحمي دينه. وقالوا عن أمه آمنة: بأنها قالت عند وضعه - صلى الله عليه وسلم:
أعيذه بالواحد * من شر كل حاسد [1]
إلى آخر الأبيات المشهورة التي لم يعرف قائلها، قالوا: كيف تعيذه بالواحد الذي لا شريك له، وتكون مشركة؟ ثم طفقوا يذكرون أحاديث موضوعة مضمنها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر بأن الله اصطفى له أصلابًا وأرحامًا، حتى أخرجه من بين أبوين لم يصبه ولا أصابه دنَس السفاح والأصنام، فهو خيار من خيار إلى خيار، وإمام من إمام إلى إمام، فهم بمخالفتهم لأهل السنة يزعمون أنهم يرشدون العباد إلى تنزيه مَن لسيد الأفراد من الآباء والأجداد، عن دنس السفاح والشرك والضلال والكفر والعناد، وتبرئة ساحتهم عن النقص في الأعمال والاعتقاد، ثم زعموا أن القائل بكفر أبويه - صلى الله عليه وسلم - يؤذيه وأبويه وأجداده في الألحاد، وأن كل من يذكر كفر أبويه فوق الكراسي والمنابر على رؤوس الأشهاد سفلة يؤذون رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإيذاؤه كفر وإلحاد [2] ، ومؤذيه-بتكفير أبويه-يبوء بالخزي والسوء يوم التناد، وزعموا أن القول بتكفير أبويه
(1) -انظر: (صفة الصفوة) لابن الجوزي (1/ 19) . أو: (1/ 50/51) .
(2) -قال القسطلاني في (مواهبه) : (الحذر الحذر من ذكرهما بما فيه نقصٌ، فإن ذلك قد يؤذي النبي - صلى الله عليه وسلم -، لأن العرف جار بأنه إذا ذُكِر أبو الشخص بما ينقصه أو وصف بوصف وذلك الوصف فيه نقص، تأذى ولده بذكر ذلك له عند المخاطبة ... ولا ريب أن إيذاءَه - صلى الله عليه وسلم - كفرٌ يُقتل فاعله عندنا إن لم يتب) . وقال ابن حجر الفقيه في (النعمة الكبرى) : (فالخوض في ذلك على خلاف ما قلنا-يعني القول بالنجاة-ربما يؤذيه - صلى الله عليه وسلم -، وإيذاؤه كفر يراق به دم قائله) . وقال في (فتاويه) : (إياك أن يسبق لسانك إلى غير ما قلنا-يعني من النجاة المزعومة-فتكون ممن آذى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فتستحق اللعنة) . وقال ابن عربي الحاتمي الملحد: (إن أبوي النبي - صلى الله عليه وسلم - من المصطفين الأخيار، ومن الأكابر الأبرار) . وقال صاحب كتاب (سداد الدين) (ص:119) : (اعلم؛ أن الذي يجب اعتماده واعتقاده وهو الذي ثبتت به الأدلة وندين الله ونلقاه به، أن والدي النبي - صلى الله عليه وسلم - من أهل التوحيد، وأنهما ناجيان غير معذبين، وأنهما من خيار أهل الجنة) . وقال في موضع آخر (ص:145) : (قال العلامة ناصر الدين ابن المنير المالكي في كتاب(المقتفى) : قد وقع لنبينا - صلى الله عليه وسلم - إحياء الموتى نظير ما وقع لعيسى ابن مريم عليه السلام، إلى أن قال: وجاء في حديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما منع من الاستغفار للمشركين، دعا الله تعالى أن يحيي له أبويه، فأحياهما فآمنا به وصدقا، وماتا مؤمنين). ثم ذكر أبياتًا شعرية لشمس الدين ابن ناصر الدين الدمشقي وهي:
حبا الله النبي مزيد فضل * على فضل وكان به رؤفا
فأحيا أمه وكذا أباه * لإيمان به فضلًا لطيفًا
فسلم فالقديم بذا قدير*وإن كان الحديث به ضعيفًا
وساق أبياتًا أخرى لابن سيد الناس يقول فيها:
هذا جزاء الأم عن إرضاعه* لكن جزاء الله عنه عظيم
وكذاك أرجو أن يكون لأمه* عن ذاك آمنة يد ونعيم
ويكون أحياها الإله وآمنت*بمحمد فحديثها معلوم
فلربما سعدت به أيضًا كما *سعدت به بعد الشقاء حليم