فهرس الكتاب
المدينة يعتنقون العقيدة ولكنهم لا ينضمون فعلًا للمجتمع الذي يقوم على هذه العقيدة، ولا يدينون فعلًا دينونة كاملة للقيادة القائمة عليها ... إلى أن قال: فهؤلاء الأفراد ليسوا أعضاءً في المجتمع المسلم، ومن ثم لا تكون بينهم وبينه ولاية. ولكن هناك رابطة العقيدة) [1] .
-ولأجل ما تقدم، فإن الصحابة قد اختلفوا في شأن من أسلم بمكة وبقي فيها ولم يهاجر مع قدرتهم على ذلك، ثم أُكرهوا على القتال مع الكفار يوم بدر. فمن الصحابة من تأسف لقتلهم، ومنهم من رأى أنهم يقتلون لأجل تفريطهم في عدم الهجرة حتى أُكرهوا على القتال مع المشركين. ولو كانوا عندهم كفارًا لم يتأسفوا عليهم. يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب-رحمه الله-: (إن أناسًا من المسلمين لم يهاجروا كراهة مفارقة الأهل والوطن والأقارب ... فلما خرجت قريش إلى بدر خرجوا معهم كرهًا، فقتل بعضهم بالرمي، فلما علم الصحابة أن فلانًا قتل وفلانًا قتل تأسفوا على ذلك، وقالوا: قتلنا إخواننا. فأنزل الله تعالى فيهم:(إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض) إلى قوله: (وكان الله غفورًا رحيمًا) [2] . فليتأمل الناصح لنفسه هذه القصة، وما أنزل الله فيها من الآيات، فإن أولئك لو تكلموا بكلام الكفر، وفعلوا كفرًا ظاهرًا يرضون به قومهم لم يتأسف الصحابة على قتلهم، لأن الله بين لهم وهم بمكة لما عذبوا قوله تعالى: (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) [3] . فلو كانوا سمعوا عنهم كلامًا أو: فعلًا يرضون به المشركين من غير إكراه ما كانوا يقولون: قتلنا إخواننا) [4] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله تعالى-: (وممّا يجب أن يُعلم أنّ الّذي يريد أن ينكر على الناس ليس له أن يُنكر إلاّ بحجة وبيان، إذ ليس لأحد أن يُلزم أحدًا بشيء، ولا يحظر على أحد شيئًا بلا حجّة خاصّة إلاّ رسول الله-صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم-المُبلّغ عن الله الّذي أوجب على الخلق طاعته فيما أدركته عقولهم وما لم تدركه، وخبره مصدق فيما علمناه وما لم نعلمه، وأمّا غيره إذ قال هذا صواب أو: خطأ، فإن لم يُبيّن ذلك بما يجب به اتّباعه، فأوّل درجات الإنكار أن يكون المنكر عالمًا بما ينكره، وما يقدر الناس عليه، فليس لأحد من
(1) -انظر: (ظلال القرآن) ، لسيد قطب-رحمه الله- (ص 1558/ 1559) .
(2) -راجع في (ظلال القرآن) ، لسيد قطب-رحمه الله-تفسير هذه الآية: (ص 1558/ 1559) .
(3) -سورة النحل، الآية: (106) .
(4) -انظر: (مختصر سيرة الرسول - رضي الله عنهم - ضمن المجموع) (ص:33/ 34) .