فهرس الكتاب
وقد حكم الله تعالى أن لهذه الطائفة الثالثة حق النصرة في الدين إلا على قوم بينهم وبين المسلمين ميثاق. لكن مع ذلك فليس لهم ولاية حتى يهاجروا. ومعلوم علمًا قطعيًا أن الولاية المنفية عنهم ليست الولاية التي هي مقتضى الأخوة الإيمانية لتحقق وصف الإيمان لهم كما حكم الله به لهم. وليست أيضًا ولاية النصرة مع أن الله قد أمر بنصرهم في الدين إذا لم يكن ثَم ميثاق بين من استنصروا بالمسلمين عليهم وبين المسلمين. فما هي الولاية المنفية عنهم في الآية إذن؟.
لقد حصل اللبس في فهم المقصود بفهم الولاية هنا قديمًا كما وقع ذلك حديثًا، ونكتفي هنا ببيان الإمام أحمد-رحمه الله-لذلك حيث يقول: (وأما قوله:(والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) [1] . وقال في آية أخرى: (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيءٍ) [2] . وكان عند من لا يعرف معناه ينقض بعضه بعضًا. أما قوله: (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيءٍ) يعني: من الميراث، وذلك أن الله حكم على المؤمنين لما هاجروا إلى المدينة أن لا يتوارثوا إلا بالهجرة، فإن مات رجل بالمدينة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وله أولياء بمكة لم يهاجروا كانوا لا يتوارثون. وكذا إن مات رجل بمكة وله ولي مهاجر مع النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يرثه المهاجر، فذلك قوله: (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيءٍ) [3] من الميراث (حتى يهاجروا) . فلما كثر المهاجرون رد ذلك الميراث إلى الأولياء هاجروا أم لم يهاجروا، وذلك قوله: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين) . وأما قوله: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) [4] . يعني في الدين، والمؤمن يتولى المؤمن في دينه. فهذا تفسير ما شكَّت فيه الزنادقة) [5] . وقد بين الأستاذ سيد قطب-رحمه الله-حكم هذه الطائفة الثالثة الذين آمنوا ولم يهاجروا وأنهم لا يكفرون بمجرد ذلك، فكان مما قاله: (ثم وُجِد أفراد آخرون دخلوا في هذا الدين عقيدة ولكنهم لم يلتحقوا بالمجتمع المسلم فعلًا ... وجد هؤلاء الأفراد سواء في مكة أو: في الأعراب حول
(1) -سورة التوبة، الآية: (71) .
(2) -سورة الأنفال، الآية: (72) .
(3) -سورة الأنفال، الآية: (72) .
(4) -سورة التوبة، الآية: (71) .
(5) -انظر: (الرد على الجهمية، ضمن عقائد السلف) (ص:62) .