فهرس الكتاب

الصفحة 926 من 1060

إذا كان بين الكفار والفجار لم يكن عليه أن يجاهدهم بيده مع عجزه، لكن إن أمكنه بلسانه وإلا فبقلبه. مع أنه لا يكذب ويقول بلسانه ما ليس في قلبه، إما أن يظهر دينه وإما أن يكتمه، وهو مع هذا لا يوافقهم على دينهم كله، بل: غايته أن يكون كمؤمن آل فرعون، وامرأة فرعون. وهو لم يكن موافقًا لهم على جميع دينهم، ولا كان يكذب ولا يقول بلسانه ما ليس في قلبه، بل: كان يكتم إيمانه، وكتمان الدين شيء وإظهار الدين الباطل شيء آخر، فهذا لم يبحه الله إلا لمن أكره بحيث أبيح له النطق بكلمة الكفر، والله تعالى قد فرق بين المنافق والمكره.

والرافضة حالهم من جنس حال المنافقين، لا من جنس حال المكره الذي أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان) [1] . ومن هنا نعلم الفرق بين المناط في الإعذار بكتمان الدين وأنه العجز عن إظهاره ولو لم يكن إكراه. وأما إظهار الكفر والمعصية فلا بد لإباحة التقية فيه من الإكراه. وذلك لأن القيام بتحقيق المطلوب مشروط بالاستطاعة، وأما ترك المنهي فالأصل فيه الترك، وليس مما تشترط فيه الاستطاعة، وإنما يكون اشتراط الاستطاعة عند الإكراه على المخالفة بفعل المنهي عنه. ولهذا قال الرسول - صلى الله عليه وسلم: ( ... إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) [2] . فعمم الأمر بالامتناع عن كل منهي عنه، وقيد فعل المأمور بالاستطاعة.

وعلى هذا الأصل-أعني: اشتراط الإكراه في التظاهر بالكفر-أدلة كثيرة، منها،-وهو أوضحها وأظهرها-قول الله تعالى: (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا) إلى قوله: (الكافرين) [3] . فلم يعذر الله أحدًا في الكفر الظاهر بغير الإكراه. فمن تظاهر بالكفر ولم يكن مكرهًا، فإنه لا يكون

(1) -انظر: (منهاج السنة النبوية) (6/ 424) .

(2) -رواه البخاري في: (صحيحه) ، كتاب: الاعتصام"بالكتاب والسنة"رقم: (7288) ، ومسلم في: (صحيحه) ،"كتاب الحج"رقم: (ص:1821/رقم:1337) ، وأحمد في: (مسند) (2/ 258/428/ 517) ، والترمذي في: (جامعه) ،"كتاب العلم"رقم: (2681) ، والنسائي في (سننه) ،"كتاب الحج": (5/ 110/111/رقم:1619) ، وصححه ابن حبان (18/ 21) ، وانظر تمام تخريجه في: (صحيح ابن حبان) ، بتحقيق الأرناؤوط، و (جامع العلوم والحكم ... ) (1/ 238 - وما بعدها/ رقم:9) .

(3) -سورة النحل، الآية رقم: (106/ 107) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت