فهرس الكتاب

الصفحة 927 من 1060

إلا كافرًا لانشراح صدره بالكفر لتلازم الظاهر والباطن. فلا عذر لأحد في ذلك بغير الإكراه مطلقًا سواء كان كفره محبة لوطنه أو: لأهله وعشيرته أو: توقعه أذى الكفار ونحو ذلك.

يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب- في بيان دلالة هذه الآية على هذا لأصل-: (لم يعذر الله ... إلا من أكره مع كون قلبه مطمئنًا بالإيمان، وأما غير هذا فقد كفر بعد إيمانه سواء فعله خوفًا أو: مداراة أو: مشحة بوطنه أو: أهله أو: عشيرته أو: ماله، أو: فعله على وجه المزح أو: لغير ذلك من الأغراض إلا المكره. فالآية تدل على هذا من وجهين:

الأول: (إلا من أكره) ، فلم يستثن الله تعالى إلا المكره، ومعلوم أن الإنسان لا يكره إلا على الكلام أو: الفعل، وأما عقيدة القلب فلا يكره عليها أحد.

الثاني: قوله تعالى: (ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة) [1] ، فصرح أن هذا الكفر والعذاب لم يكن بسبب الاعتقاد أو: الجهل أو: البغض للدين أو: محبة الكفر، وإنما سببه أن له في ذلك حظأً من حظوظ الدنيا فآثره على الدين) [2] . ولهذا فإنه لما كان بمكة قوم قد نطقوا بالشهادتين لكنهم ظاهروا المشركين من غير إكراه، لم يعذرهم الله تعالى بل: حكم بنفاقهم وكفرهم وبين ذلك للمسلمين فقال تعالى: (فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا) إلى قوله: (وليًا ولا نصيرًا) [3] .

يقول الإمام ابن كثير-رحمه الله-: (قال العوفي عن ابن عباس نزلت في قوم كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام وكانوا يظاهرون المشركين فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم فقالوا: إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا منهم بأس. وإن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة قالت طائفة: اركبوا إلى الجبناء فاقتلوهم فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم. وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله! - أو: كما قالوا- أتقتلون قومًا قد تكلموا بمثل ما تكلمتم

(1) -سورة النحل، الآية رقم: (107) .

(2) -انظر: (كشف الشبهات) للشيخ محمد بن عبد الوهاب، ضمن مجموعة مؤلفات-العقيدة والآداب الإسلامية- (ص:180) .

(3) -سورة النساء، الآية رقم: (88/ 89) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت