فهرس الكتاب
به من أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم نستحل دماءهم وأموالهم، فكانوا كذلك فئتين، والرسول - صلى الله عليه وسلم - عندهم لا ينهى أحدًا من الفريقين عن شيء فنزلت: (فما لكم في المنافقين فئتين) الآية. رواه ابن أبي حاتم، وقد روى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعكرمة ومجاهد والضحاك وغيرهم قريب من هذا) [1] . فهؤلاء لما ظاهروا المشركين ووالوهم على دينهم [2] لم ينفعهم ما تظاهروا به من الإسلام [3] لأن ما فعلوه لم يكن تقية أُكرهوا عليها، وإنما كان اختيارًا منهم لذلك، فلم يكن لهم عذر، وعلى هذا الأصل تفهم آية التقية وهي قول الله تعالى: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه ... ) [4] .
فمعنى الآية هو: أن مظاهرة المشركين مطلقًا سواء كان ذلك بقول أو: فعل أو: موالاة لهم وخروج من الملة من حيث الأصل. إلا أن يكون ذلك تقية. والتقية في ذلك لا تكون بمجرد الخوف وتوقع الضرر، وإنما تكون بحصول الإكراه حقيقة.
(1) -انظر: (تفسير ابن كثير) (1/ 533) .
(2) -والمقصود من مظاهرة الكفار على المسلمين، أن يكون أولئك أنصارًا وظهورًا وأعوانًا للكفار ضد المسلمين، فينضمون إليهم، ويذبون عنهم بالمال والسنان والبيان، فهذا كفر يناقض الإسلام. (مجموع الفتاوى) (11/ 160) ، و (اقتضاء الصراط المستقيم) (1/ 237/238) كلاهما لابن تيمية. والموالاة والمظاهرة للمشركين تكون في عدة معان انظرها في: (تفسير ابن كثير) (1/ 514) ، و (المحلى) (13/ 138) ، و (الدرر السنية) (7/ 165/166) ، و (مجموعة التوحيد) (1/ 313/314) جمع ابن قاسم، و (تفسير السعدي) (2/ 304) ، و (نواقض الإيمان القولية والعملية) (ص:361/ 377) ، و (من تشبه بقوم فهو منهم) (ص:17/ 18/ صدق الله العظيم /21) ، و (مختصر معارج القبول) (ص:121) للقحطاني، و (تيسير ذي الجلال والإكرام، بشرح نواقض الإسلام) (ص:86/ إلى:96) لسعد القحطاني. ومظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، هو الناقض الثامن من النواقض العشرة المجمع عليها وقد قلت في نظم هذه الناقض:
مَن يَنهضُ للمشركين مناصرًا * فلقد غدا منهم بلا إبهام
رقم البيت: (22) . بتاريخ 8/ربيع الأول 1428 هـ السجن المحلي بتطوان.
(3) -هذا السبب هو الموافق لظاهر الآية وسياقها. وأما ما ورد عن زيد بن ثابت أن ذلك كان من المنافقين الذين رجعوا يوم أحد إلى المدينة، فبعيد، وإن كان في (الصحيحين) ، لأن المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة أحد لم يكن عليهم هجرة، كيف وهم في دار الهجرة؟ وقد قال تعالى: (فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا ... ) ولأجل هذا رجح الإمام الطبري وغيره أن المقصود بالآية من كانوا بمكة على ما سبق وصفهم.
(4) -سورة آل عمران، الآية رقم: (28) .