فهرس الكتاب

الصفحة 929 من 1060

فهنا فرق بين التقية بكتمان الدين والذي يكفي في الإعذار فيه مجرد خوف الضرر، لكن إظهار الكفر لا بد فيه من تحقق الإكراه لا مجرد الخوف والتوقع. ولهذا نهى الله تعالى عن موالاة أهل الكتاب وبين أن موالاتهم ولو مع الخوف كفر، فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين) [1] .

فلم يجعل الله مجرد الخشية أن تكون الدائرة والغلبة للكافرين عذرًا في موالاتهم، بل: جعل من تولاهم معتذرًا بذلك منهم، ثم بين أنه لا يفعل ذلك إلا من كان في قلبه النفاق.

ومثل هؤلاء في عصرنا من يحكِّمون القوانين الوضعية ويرفضون الحكم بالشريعة ويعتذرون بالخوف من الكافرين لو التزموا بالشريعة ويقولون: (نخشى أن تصيبنا دائرة) ويُسوِّفون في أمر تحكيم الشريعة مدعين انتظار الظرف المناسب!!.

والحقيقة أن ذلك لا يدخل في حكم الإكراه، بل: ولا في أحكام الضرورة، فإنه لا مانع ابتداء من إعلان تحكيم الشريعة إلا الخوف وموالاة الكافرين. وإنما يكون المانع عند تطبيق بعض ما يتعلق بتنفيذ الحكم بالشريعة على التفصيل بعد إقرارها ابتداءً بحيث تكون هي أصل التشريع، وهذا مما يدخل تحت قاعدة: التكليف [2] على قدر الاستطاعة. فمن عجز عن تطبيق بعض أحكام الشريعة بعد التسليم لها ورفض ما سواها من القوانين الجاهلية كان معذورًا. ولا بد من التفريق بين هاتين الحالتين.

ومما يدل على أن موالاة الكافرين خوفًا منهم أو: مشحة بالوطن كفر ما لم يكن ذلك عن إكراه، ما ذكره الله عن نبيه شعيب-عليه السلام-وتهديد قومه له بإخراجه من أرضهم إن لم يعُد في ملتهم ويوافقهم على ما هم عليه.

(1) -سورة المائدة، الآية رقم: (51/ 52) .

(2) -التكليف: إلزام ما فيه كلفة. (التعريفات) (ص:69) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت