فهرس الكتاب
ولكن نبي الله شعيبًا عليه السلام قال كما حكى الله عنه: (قد افترينا على الله كذبًا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها. وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علمًا على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين) [1] .
حد الإكراه:
من تظاهر بالكفر وهو كاره له غير راضٍ عنه، وإنما فعله تقية لما حصل له من الإكراه، فإنه معذور لعدم تحقق القصد منه إلى ما به الكفر وكون قلبه مطمئنًا بالإيمان ولو كان ظاهره بخلاف ذلك.
والإكراه المعتبر هنا هو ما انتفى فيه الرضى بالكفر مع كون المكره مكلفًا مختارًا لما فعله قاصدًا إليه غير ملجأ بحيث ينتفي قصده بالكلية.
وذلك أن المكره مكلف ولا يكون مكلفًا إلا إذا كان مختارًا أن يفعل ما أُكره عليه أو: ألا يفعل. أما إذا لم يكن مختارًا ولا يمكنه ذلك فإنه لا يكون مكلفًا ولا اعتبار لعمله الظاهر، ولا يدخل في أحكام التقية ابتداءً.
وعلى هذا فلا بد من التفريق بين الذي حقيقته طمأنينة القلب وانشراحه، وبين الاختيار [2] الذي حقيقته مجرد تحقق القصد إلى إيقاع الفعل الظاهر سواء رضي عنه الفاعل أم لا. فالرضى بالكفر هو مناط التكفير، وأما الاختيار والقصد إلى الفعل الظاهر فهو مناط التكليف.
لكن هل معنى هذا أن الرضى أمر باطني لا يمكن الحكم عليه؟
الحقيقة أن من كان مكلفًا مختارًا، وتظاهر بشيء من أعمال الكفر، ولم يكن مكرهًا لا يكون إلا كافرًا ولو ادعى أنه كاره لعمله في الباطن، لأن هذا حقيقة التلازم بين الظاهر والباطن، فلا عبرة إذن بدعوى الكره وعدم الرضى عن الكفر الظاهر مع عدم الإكراه. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-في معنى قول الله تعالى: (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب
(1) -سورة الأعراف، الآية رقم: (89) .
(2) -الاختيار: الميل إلى ما يراد ويرتضى. (التعريفات) (ص:69) .