فهرس الكتاب
فأما اختلاف الناس في قدراتهم ومكانتهم فظاهر، فقد يكون إكراهًا في حق إنسان ما ليس بإكراه في حق غيره لاختلافهما في تحمل الإكراه حتى قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه: (ما من ذي سلطان يريد أن يكلفني كلامًا يدرأ عني سوطًا أو: سوطين إلا كنت متكلمًا به) [1] .
ثم إن إكراه العالم مثلًا ليس كإكراه غيره، فإنه قد يضل بعض الناس بتقية العالم وأخذه بالرخصة.
ولهذا شدد الإمام أحمد-رحمه الله-في هذا الأمر حين سئل عن العالم وهل له أن يأخذ بالتقية في فتواه فقال: (إذا أجاب العالم تقية، والجاهل بجهل فمتى يتبين الحق؟) [2] .
وصدق الإمام-رحمه الله-، فإنه ما وقع اللبس والغبش في الأمة إلا بمداهنة العلماء وتجرؤ الجهال بالإفتاء بلا علم.
وقد جعل-رحمه الله-من نفسه مثلًا في ذلك فلم يداهن ولم يلن حين فتن على القول بخلق القرآن لما علم من افتتان الناس وانطماس وجه الحق لو فعل ذلك.
وأما اختلاف الإكراه باختلاف حال من يقع منه فظاهر. وفرق بين من يعلم أنه عازم على إنفاذ وعيده وبين المهدد الذي يحتمل منه ذلك فقط. وفرق أيضًا بين من كان له سلطة في تحقيق ما توعد به وبين من كان دون ذلك.
وأما اختلاف الإكراه باختلاف الأمر المكره عليه فأمر التفاوت فيه واسع، فما كان إكراهًا في شيء قد لا يكون إكراهًا في شيء آخر.
يقول الإمام النووي في بيان هذا التفاوت: (لا يشترط سقوط الاختيار، بل: إذا أكرهه على فعل يؤثر العاقل الإقدام عليه حذرًا مما تهدده به حصل الإكراه. فعلى هذا ينظر فيما يطلبه منه، وما هددوه به، فقد يكون الشيء إكراهًا في مطلوب دون مطلوب وفي شخص دون شخص) [3] .
(1) -انظر: (المحلى) (8/ 336) لابن حزم.
(2) -انظر: (البحر المحيط) (2/ 424) .
(3) -انظر: (روضة الطالبين) (8/ 60) للإمام النووي.