فهرس الكتاب
ومعلوم أن مجرد احتمال عدم الإكراه أمر إضافي نسبي يختلف من معين إلى آخر وأنه لا بد للتحقق منه من تبين حال كل معين على التفصيل قبل الحكم عليه بأن ما ادعاه إكراهًا، وهنا قد يحصل الخلاف في حكم معين، وهل هو معذور أم غير معذور للاختلاف في أن ما اعتذر به من الإكراه محتمل أو: غير محتمل. وهذا خلاف في تحقيق مناط الحكم. لكن الذي لا يصح الخلاف فيه هو مناط الحكم لا تحقيق مناطه.
التقية مباحة والصبر أولى:
كل ما سبق من الكلام عن التقية إنما يدل على إباحتها لرفع الحرج [1] الذي هو من مقاصد الشريعة ومقتضى رحمة الله بعباده.
لكن ذلك لا يدل على مشروعيتها وجوبًا أو: استحبابًا، بل الأصل هو عدم التقية. وإنما يكون الإعذار بالتقية كحالة عارضة مؤقتة لرفع الحرج والإثم فقط. وعلى هذا فالصبر والأخذ بالعزيمة أولى من الترخص ولو وصل الإكراه إلى حد القتل. ولهذا يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم: (سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله) [2] .
أما أولئك الذين يتزلفون إلى السلاطين نفاقًا، وإذا خرجوا من مجالسهم سلقوهم بألسنة حداد، مما جعل الشيخ حمود التويجري يقول-في: (غربة الإسلام) (ص:371) : (ومن خصال النفاق أيضًا: الثناء على الملوك والأمراء، ونحوهم في وجوههم، وإذا خرجوا قالوا: غير ذلك) .
وتأمل صبر بلال - رضي الله عنه - وقد كان (تفعل فيه الأفاعيل حتى إنهم ليضعوا الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر ويأمرونه أن يشرك بالله فيأبى عليهم ويقول: أحد، أحد، ويقول: والله لو أعلم كلمة أغيظ لكم منها لقلتها-رضي الله عنه وأرضاه) . وكذلك حبيب ابن زيد الأنصاري لما قال له مسيلمة الكذاب: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ فيقول: نعم، فيقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع، فلم يزل يقطعه إربًا إربًا وهو ثابت على ذلك ...
(1) -الحرج: ما يتعسر على العبد الخروج عما وقع فيه. (التعريفات) (ص:70) .
(2) -رواه الحاكم في مناقب الصحابة (3/ 195) ، انظر شواهده في: (بيان الوهم والإيهام ... ) : (4/ 633/رقم:2188) .