فهرس الكتاب
إنما أراد الإيمان الظاهر الذي يفرق به بين المسلم والكافر، وكذلك من عليه نذر لم يلزمه أن يعتق إلا من علم أن الإيمان في قلبه، فإنه لا يعلم ذلك مطلقًا، بل: ولا أحد من الخلق يعلم ذلك مطلقًا، وهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلم الخلق والله يقول له: (وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم) [1] . فأولئك إنما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحكم فيهم كحكمه في سائر المؤمنين، ولو حضرت جنازة أحدهم صلى عليها، ولم يكن منهيًا عن الصلاة إلا على من علم نفاقه، وإلا لزم أن ينقب عن قلوب الناس ويعلم سرائرهم، وهذا لا يقدر عليه بشر.
ولهذا لما كشفهم الله بسورة براءة بقوله: (ومنهم، ومنهم) [2] . صار يعرف نفاق ناس منهم لم يكن يعرف نفاقهم قبل ذلك، فإن الله وصفهم بصفات علمها الناس منهم، وما كان الناس يجزمون بأنها مستلزم لنفاقهم، وإن كان بعضهم يظن ذلك وبعضهم يعلمه، فلم يكن نفاقهم معلومًا عند الجماعة، بخلاف حالهم لما نزل القرآن، ولهذا لما نزلت سورة براءة كتموا النفاق، وما بقي يمكنهم من إظهاره أحيانًا ما كان يمكنهم قبل ذلك، وأنزل الله تعالى: (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلًا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلًا سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلًا) [3] . فلما توعدوا بالقتل إذا أظهروا النفاق، كتموه.
ولهذا تنازع الفقهاء في استتابة الزنديق، فقيل: يستتاب، واستدل من قال ذلك بالمنافقين الذين كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقبل علانيتهم، ويكل أمرهم إلى الله، فيقال له: هذا كان في أول الأمر، وبعد هذا أنزل الله: (ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلًا) فعلموا أنهم إن أظهروه كما كانوا يظهرونه قتلوا، فكتموه.
(1) -سورة التوبة، الآية رقم: (101) .
(2) -سورة التوبة، الآيات: (49/ 58/75) ، وهي: (ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ... 49) ، (ومنهم من يلمزك في الصدقات ... -58) ، (ومنهم من عاهد الله لئن أتانا من فضله لنصدقن ... -75) .
(3) -سورة الأحزاب، الآية، رقم: (60/ 61/62) .