فهرس الكتاب

الصفحة 983 من 1060

فلم يكن يصلي عليهم ولا يستغفر لهم، ولكن دماءهم وأموالهم معصومة لا يستحل منهم ما يستحل من الكفار الذين لا يظهرون أنهم مؤمنون، بل: يظهرون الكفر دون الإيمان، فإنه - صلى الله عليه وسلم - قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله) [1] . ولما قال لأسامة: ("أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟"قال: إنما قالها تعوذًا، قال:"هلا شققت عن قلبه؟"وقال:"إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم") [2] .

وكان إذا استؤذن في قتل رجل يقول:"أليس يصلي، أليس يتشهد؟" [3] ، فإذا قيل له: إنه منافق. قال:"ذاك" [4] ، فكان - صلى الله عليه وسلم - حكمه في دمائهم وأموالهم كحكمه في دماء غيرهم لا يستحل منها شيئًا إلا بأمر ظاهر، مع أنه كان يعلم نفاق كثير منهم، وفيهم من لم يكن يعلم نفاقه، قال تعالى: (وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم) [5] . وكان من مات منهم صلى عليه المسلمون الذين لا يعلمون أنه منافق، ومن علم أنه منافق لم يصل عليه. وكان عمر إذا مات ميت لم يصل عليه حتى يصلي عليه حذيفة، لأن حذيفة كان قد علم أعيانهم، وقد قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجراتٍ فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار) [6] .

والله تعالى لما أمر في الكفارة بعتق رقبة مؤمنة، لم يكن على الناس أن لا يعتقوا إلا من يعلموا أن الإيمان في قلبه، فإن هذا كما لو قيل لهم: اقتلوا إلا من علمتم أن الإيمان في قلبه، وهم لم يؤمروا أن ينقبوا عن قلوب الناس ولا يشقوا بطونهم، فإذا رأوا رجلًا يظهر الإيمان جاز لهم عتقه، وصاحب الجارية لما سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - هل هي مؤمنة،

(1) -متفق عليه، (هو في"مختصر صحيح مسلم"رقم:5) . هامش كتاب: (الإيمان) (ص:169) .

(2) -قال الألباني: (رواه مسلم. هو في"مختصر صحيح مسلم"رقم:7) .

(3) -متفق عليه.

(4) -متفق عليه، وهو قطعة من الحديث الذي قبله. والتخريج-دائمًا-من هامش كتاب (الإيمان) (ص:169) لابن تيمية، تحقيق الشيخ الألباني.

(5) -سورة التوبة، الآية رقم: (101) .

(6) -سورة الممتحنة، الآية رقم: (10) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت